وكان تواضعه عن حب وإخاء، تدفعه إلى ذلك عقيدة سليمة. حسن المعشر، ليّن الجانب، يهش ويبش لمن يحادثه، شاهده أحد كتّاب الديوان في بعض الممرّات فسلّم عليه وقبّل يده، فقال له ابن البوّاب: الله… الله يا سيدي ما أنا وهذا؟
فقال له: لو قبّلتُ الأرض بين يديك لكان قليلًا.
قال: لِمَ؟ ولِمَ ذاك يا سيدي؟ وما الذي أوجبه واقتضاه؟.
قال الكاتب: لأنك تفرّدت بأشياء ما في بغداد كلها من يشاركك فيها، منها الخط الحسن، وأنه لم أرَ في عُمُري كاتبًا من طرف عمامته إلى لحيته ذراعان ونصفٌ غيرَك.
فضحك ابن البوّاب منه وجزاه خيرًا، وقال له: أسألك أن تكتم هذه الفضيلة عليّ ولا تكرمني لأجلها.
قال الكاتب: ولِمَ تكتم فضائلك ومناقبك؟
فقال ابن البواب: أنا أسألك هذا.
وكانت لحية ابن البواب طويلة جدًا) ( ) .
حقًا لقد كان ابن البواب رحمه الله ورعًا تقيًا، وصفه الخطيب البغدادي فقال: (كان رجلًا ديّنًا) ( ) .
نبوغه في الخط
كان ابن البواب صاعقة عصره في الخط، جودة وتحسينًا. وهو الذي ورث إبداع ابن مقلة وحسّنه، فكانت لوحاته الخطية آية في الجمال. شاهد أبو عبيد البكري الأندلسي صاحب التصانيف خطّ ابن مقلة فأنشد:
خط ابن مقلة مَن أرعاه مقلته
... ... ودَّت جوارحه لو أصبحت مُقَلا
فكيف لو شاهد البكري خطوط ابن البواب التي نالت إعجاب معاصريه واللاحقين؟! وفاقت خطوط ابن مقلة؟!!
وقد ذاع صيته، واتسعت شهرته.
قال عنه ابن كثير: (وأما خطه وطريقته فيه فأشهر من أن ننبه عليها، وخطه أوضح تعريبًا من خط أبي علي ابن مقلة، ولم يكن بعد ابن مقلة أكتب منه، وعلى طريقته الناس اليوم في سائر الأقاليم إلاّ القليل) ( ) .