الصفحة 63 من 86

ولكثرة الكُتّاب والخطاطين في عصره فقد جهل الأعيان مكانة هذا الفنان خلال حياته، فلما مات برز اسمه، ولمع نجمه، واعتدّ به الفنانون والمبدعون، واعتبروه علمًا من أعلام الخط، وخليفة لابن مقلة، حتى قال عنه الذهبي: (ولم يعرف الناس قدر خطه إلاّ بعد موته، لأنه كتب ورقة إلى كبير، يشفع فيها في مساعدة إنسان بشيء لا يساوي دينارين، وقد بسط القول فيها، فلما كان بعد موته بمدة، بيعت تلك الورقة بسبعة عشر دينارًا) ( ) .

ويبدو أن هذه اللوحة الفنية أصبحت أثراُ ثمينًا، فقد بيعت مرة أخرى بخمسة وعشرين دينارًا ( ) .

ولقد شهد أبو العلاء المعري بفضيلة خط ابن البواب، حين ذهب إلى بغداد ونزل الكرخ، فلما طال مقامه حنّ إلى المعرة وأهلها فقال:

ولاح هِلالٌ مثلُ نونٍ أجادَها

... ... بِجَارِي النُّضار ( ) الكاتبُ ابنُ ( ) هلال

وحين يرسم الفنان لوحة، أو الكاتب كتابًا ولا يتّمه؛ فإن اللاحقين يعجزون عن إتمام تلك اللوحة أو الكتاب كما أراد البادئ، فقد ذكروا أن ابن مقلة كتب مصحفًا في ثلاثين جزءًا، وفُقد جزء منه فأتمته ابن البواب بخطه الجميل الذي لا يكاد يختلف عن خط ابن مقلة، وفوق ذلك فقد جلّده تجليدًا لا يكاد يختلف عن تجليد الأجزاء التي خطها ابن مقلة، وهذا من حُسن خطه وأناته وصبره، وحسن اختياره لنوع الورق والخط والتجليد ( ) .

ويبدو أن أخًا له عمل في الخط أيضًا وذاع صيته، وشُهر بأبي علي بن البواب فظن الكثيرون أنه هو المقصود بنبوغ الخط فأشار إلى ذلك بقوله: (إن صاحب الخط المنسوب المشهور ليس أبا علي المذكور، وإنما هو أخوه عبد الله الحسن…) ( ) .

وقد كان إبداع ابن البواب في الخط وجماله حديث الناس في مجالسهم، بهر العقول، وشنّفت إليه الآذان، وحملقت فيه المقل، فقد مدح أحد الشعراء كتابًا، فأُعجب بهذا الشعر أحد فقهاء حلب، (وحينما مرّ ابن خلّكان بحلب سألوه عنه:

كتاب كَوَشْي الروَّض خَطَّت سطوره

... ... يدُ ابن هلال عن فم ابن هلال

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت