الصفحة 160 من 225

كانوا يكتبون وقبل أن يرفع المعلم من الإملاء أكون حفظت جميع ما كتب فقال لي ذات يوم،

ما يل لي أن آخذ منك.

ثم لما خرجت من الكتاب كنت ألتقط الخزف وكرب النخل وأكتاف الجمال فأكتب فيها الحديث وأجيء إلى الدواوين فأستوهب الظهور وأكتب فيها حتى ملأت جباباً كانت لأمي من ذلك"."

وفي كتاب جامع بيان العلم وفضله، عن الإمام الشافعي قال: كنت يتيماً في حِجْر أمي، فدفعتني في الكتاب، ولم يكن عندها ما تُعطي المعلم، فكان المعلم قد رضي مني أن أخلفه إذا قام.

فلما ختمت القرآن، دخلت المسجد فكنت أجالس العلماء، وكنت أسمع الحديث أو المسألة فأحفظها، ولم يكن عند أمي ما تُعطني ما أشتري به قراطيس، فكنتُ إذا رأيتُ عظماً يلوح ـ أي يلمعُ لبياضه ـ آخذهُ فأكتب فيه، فإذا امتلأ طرحته في جَرَّةٍ كانت لنا قديماً. ثم قدم والٍ من اليمن، فكلمه لي بعض القرشيين أن أصحبه، ولم يكن عند أمي ما تُعطيني أتجمل به، فرهنت رداءها بستة عشر ديناراً، فأعطتني فتجملتُ بها معه.

قال النووي رحمه الله تعالى:

فصل في نوادر من حكم الشافعي رضي الله عنه وجزيل وقال من طلب علما فليدقق لئلا يضيع دقيق العلم، وقال من لا يحب العلم لا خير فيه ولا يكون بينك وبينه صداقة ولا معرفة، وقال زينة العلماء التوفيق وحليتهم حسن الخلق وجمالهم كرم النفس، وقال زينة العلم الورع والحلم، وقال لا عيب بالعلماء أقبح من رغبهم فيما زهدهم الله فيه وزهدهم فيما رغبتم فيه، وقال ليس العلم ما حفظ العلم ما نفع، وقال فقر العلماء فقر اختيار وفقر الجهال فقر اضطرار، ... وقال المراء في العلم يقسي القلب ويورث الضغائن، وقال الناس في غفلة عن هذه السورة: {وَالْعَصْرِ إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ} سورة العصر (1و2) ، وكان قد جزأ الليلة ثلاثة أجزاء الثلث، الأول يكتب، والثاني يصلي فيه والثالث ينام، وقال الربيع نمت في منزل الشافعي ليالي فلم يكن ينام من الليل إلا يسيرا، وقال بحر بن نصر ما رأيت ولا سمعت في عصر الشافعي كان اتقى لله ولا أورع ولا احسن صوتا بالقرآن منه، وقال الحميدي كان الشافعي يختم في كل يوم ختمة، وقال حرملة سمعت الشافعي يقول: وددت إن كل علم يعلمه الناس أؤجر عليه ولا يحمدوني قط، وقال أحمد بن حنبل رحمه الله: كان الشافعي رحمه الله قد جمع الله تعالى فيه كل خير، وقال الشافعي الظرف الوقوف مع الحق كما وقف، وقال ما كذبت قط ولا حلفت بالله صادقا ولا كاذبا، وقال ما تركت غسل الجمعة في برد ولا سفر ولا غيره، وقال ما شبعت منذ ست عشرة سنة إلا شبعة طرحتها من ساعتي، وفي رواية من عشرين سنة، وقال من لم تعزه التقوى فلا عز له، وقال ما فزعت من الفقر قط، وقال طلب فضول الدنيا عقوبة عاقب الله بها أهل التوحيد، وقيل للشافعي ما لك تدمن إمساك العصا ولست بضعيف، فقال لأذكر أني مسافر يعني في الدنيا، وقال من شهد الضعف من نفسه نال الاستقامة، وقال من غلبته شدة الشهوة لزمته العبودية لأهلها، ومن رضي بالقنوع زال عنه الخضوع، وقال خير الدنيا والآخرة في خمس خصال غنى النفس وكف الأذى، وكسب الحلال، ولبس التقوى، والثقة بالله عز وجل على كل حال، وقال الربيع عليك بالزهد، وقال أنفع الذخائر التقوى وأضرها العدوان، وقال من احب أن يفتح الله قلبه أو ينوره، فعليه بترك الكلام فيما لا يعنيه واجتناب المعاصي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت