الصفحة 42 من 54

والإحتجاج بهذه الآية في إثبات القرعة يتوقف على القول بأن شرع من قبلنا شرع لنا وهو كذلك ما لم يرد في شرعنا ما يخالفه وهذه المسالة من هذا القبيل، لأنه كان في شرعهم جواز القاء البعض لسلامة الأخرين، وليس ذلك في شرعنا، لأنهم مستوون في عصمة الأنفس، فلا يجوز إلقاؤهم بقرعة ولا بغيرهم (1) .

ويقول البعض: وعلى فرض صحة قول من اباح إلقاء أحد ركاب السفينة في البحر بالاقتراع عند الضرورة فنقول: لا يجوز التنظير بتلك المسألة على حكم نقل الأعضاء، لأن التعارض في مسألة السفينة كانت بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة، بينما في نقل الأعضاء، ليست هناك مصلحة عامة، فتقدم على حساب المصلحة الخاصة، بل الأمر هو تعارض بين مصالح فردية، ولا دخل للمصلحة العامة في تلك المسألة على الإطلاق (2) .

وقد سبق القول إن حالة الضرورة لا تنطبق على الأنفس بالإجماع، فلا يجوز قتل نفس في سبيل إنقاذ نفس أخرى.

تاسعا: المناقشات الواردة على استدلالهم على جواز نقل الأعضاء بالقياس على جواز شق بطن الميت لإستخراج الجنين أو المال.

قالوا: إن هذا القياس مردود لعدة أمور (3) :

إن حياة هذا الجنين هي حياة منفصلة ومستقلة عن حياة الأم بخلاف العضو المنزوع فهو جزء من الجسد وخاصة إذا كان منزوعًا من حي، لأن حياته متصلة بحياة المتبرع.

ونقول إيضا: إن هناك فارقا كبيرا بين شق البطن لإستخراج الجنين، وبين نزع عضو من جسد الميت ففي شق البطن لإستخراج الجنين محافظة على حياته وليس هناك أي مساس أو اعتداء على حرمة الميت، بخلاف نزع عضو من جسد الميت لزرعه في شخص آخر ففيه مساس بحرمة هذا الجسد الذي كرمه الله تعالى حيا وميتا.

(1) فتح الباري لابن حجر ج 5 ص 294.

(2) نقل الأعضاء بين الطب والدين للدكتور مصطفى الذهبي ص 78.

(3) حكم نقل الأعضاء للعقيلي ص 97،ونقل الأعضاء للذهبي ص 85/86 وأدلة تحريم نقل الأعضاء لمحمد نور الدين المي ص 126/127.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت