فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 80

"وأما الثانى: وهو الفناء عن شهود السوى، فهذا هو الذى يعرض لكثير من السالكين كما يحكى عن أبى يزيد وأمثاله، وهو مقام الاصطلام، وهو أن يغيب بموجوده عن وجوده وبمعبوده عن عبادته، وبمشهوده عن شهادته وبمذكوره عن ذكره، فيفنى من لم يكن ويبقى من لم يزل، وهذا كما يحكى أن رجلا كان يحب آخر فألقى المحبوب نفسه في الماء، فألقى المحب نفسه خلفه فقال: أنا وقعت فلم وقعت أنت؟ فقال: غبت بك عني فظننت أنك أني، فهذا حال من عجز عن شهود شيء من المخلوقات، إذا شهد قلبه وجود الخالق وهو أمر يعرض لطائفة من السالكين، ومن الناس من يجعل هذا من السلوك ومنهم من يجعله غاية السلوك، حتى يجعلوا الغاية هو الفناء في توحيد الربوبية، فلا يفرقون بين المأمور والمحظور والمحبوب والمكروه، وهذا غلط عظيم غلطوا فيه بشهود القدر، وأحكام الربوبية عن شهود الشرع والأمر والنهى، وعبادة الله وحده وطاعة رسوله، فمن طلب رفع إنيته بهذا الاعتبار لم يكن محمودا على هذا ولكن قد يكون معذورا". (1)

قال مقيده عفا الله عنه: ولو أردت الإستفاضة في بيان أن الصوفية هم من النوع الثاني عند ابن تيمية لخرجنا عن المقصود في الإبانة، وفيما ذكرنا كفاية واللبيب تكفيه الإشارة.

الشبهة الحادية عشر: علم الغيب

قال المخالف: (سمّها ما شئت فراسة أم كرامة! العلم بما في اللوح المحفوظ لم يتفرّد به الصوفية وحدهم؟ فهذا ابن تيمية يخبر بما في اللوح المحفوظ: كتب الله تعالى في اللوح المحفوظ أنهم مهزومون في هذه الكرة، نعم النصر قد وُعد به المؤمنون، و لكن نظرة على قوله"هذه الكرة"تُبيّن دقة تفاصيل هذه المعرفة، ولا نعجب من هذا فمثل هذه المعارف تقع لابن تيمية مثل المطر) .

(1) مجموع الفتاوى (2/313) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت