المشاهد عند الناس وهو أن العقول التي لا تصدر أحكامها عن هدي السماء تختلف في أصل المصالح والمفاسد، بل ومع اتفاقهم على أن الأمر مصلحة أو مفسدة يختلفون في الأحكام الجزئية التي تحصل هذه المصالح أو تدفع تلك المفاسد. وليس أدل على ذلك مما يوجد من صراع الحق والباطل حين تنزل الرسالات السماوية على الأنبياء كيف يعارضهم أقوالهم برؤية المفسدة مصلحة وبالعكس. وما يوجد في قوانين وفلسفات اليوم من اعتبار الفاحشة مشروعا والمنكر معروفا ومعاداة القيم والفضائل والأديان! ولا عاصم من هذا الخلاف والتنافر في الآراء والمذاهب في شأن المصالح والمفاسد إلا إتباع النصوص [63] قال الله تعالى:"وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ" (المؤمنون:71) .
3 -دليل: ورود ما يدل على تقديم المصالح على النص في السنة:
ذكر الطوفي أنه قد ثبت في السنة معارضة النصوص بالمصالح في قضايا منها ما معارضة ابن مسعود [64] للنص والإجماع في التيمم بمصلحة الاحتياط في العبادة. [65]
و مخالفة الصحابة بعد الأحزاب:"لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة" [66] ، فصلى بعضهم قبلها، فأقروا على ذلك، إذ فيه تقديم المصلحة) مصلحة إدراك الوقت) على النص [67] .
وحديث:"لولا أن قومك حديثوا عهد بشرك لهدمت الكعبة فألزقتها بالأرض، وجعلت لها بابين بابا شرقيا وبابا غربيا، وزدت فيها ستة أذرع من الحجر، فإن قريشا اقتصرتها حيث بنت الكعبة" [68] . وهذا يدل على أن بناءها
على قواعد إبراهيم هو الواجب، فتركه لمصلحة الناس [69] .
وأجاب الجمهور عن ذلك:
أ - أن المصلحة أن الإمام مطاع في كل أوامره، وأن الشرع يقدم على أهواء الناس، ولكنه ترك هذه المصلحة هنا للنصوص. ومنها: أنه عليه الصلاة والسلام لما أمر بجعل الحج عمرة، قالوا:"كيف وقد سمينا الحج؟" [70] . وتوقفوا، وهو معارضة للنص بالعادة.
ولذا يقول الشاطبي:"وأما تجويز أن يأتي دليلان متعارضان، فإن أراد الذاهبون إلى ذلك التعارض في أنظار المجتهدين، لا في نفس الأمر، فالأمر على ما قالوه جائز، ولكن لا يقضي ذلك بجواز التعارض في أدلة الشريعة. وإن أرادوا تجويز ذلك في نفس الأمر، فهذا لا ينتحله من يفهم الشريعة لورود ما تقدم من الأدلة عليه، ولا أظن أن أحدًا منهم يقوله" [71] .
و أن الله لم يلزم أهل العلم بأكثر من بذل الجهد للوقوف على ما اشتبه عليهم من الأحكام، وهو في ذاته نوع من العبادة، تعبدهم الله به لحكمة [72] .
وأما مسألة التيمم، فإن سبب مخالفة عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- إنما هو تفسير للمس في قوله تعالى:"أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء" (المائدة:6) ، بأن المراد به اللمس الذي ينقض الوضوء [73] .