الصفحة 11 من 38

وما كان من الصحابة إنما كان تحرجًا منهم لما ألفوه من منع فسخ الحج قبل إتمام مناسكه، ولكونهم رأوا النبي - صلى الله عليه وسلم - باقيًا على إحرامه [74] ، ولذا قال - صلى الله عليه وسلم:"لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة" [75] ، فتحللوا ولم يبق توقفهم سنة؛ لعدم إقراره - صلى الله عليه وسلم -"."

ومنها ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم:"أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث أبا بكر ينادي:"من قال لا إله إلا الله دخل الجنة"فوجده عمر فرده وقال: إذن يتكلوا. [76] وهو معارضة الشرع بالمصلحة."

ويرد على أدلته بأنه: تمسك بشبهة باطلة؛ لأن هذه الوقائع تنطوي على عمل من صاحب الشرع نفسه، فالمستند فيها هو السنة قولا أو عملا أو تقريرا.

فصاحب الشرع هو الذي ترك البيت ولم يعد بناءه على قواعد إبراهيم فكيف يقال:"أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - عارض النص بالمصلحة؟ وأي نص خالفه الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالمصلحة ألا يعد تشريعا قولا وعملا وتقريرا بل هو النص الشرعي نفسه؟"

وصاحب الشرع هو الذي أقر توقف الصحابة عن جعل الحج عمرة بعد تسمية الحج فصار بهذا التقرير سنة ولم يصبح معارضة للنص بمصلحة.

وصاحب الشرع هو الذي أقر اجتهاد عمر في رد أبي بكر ومنعه من النداء بحديث:"من قال لا إله إلا الله دخل الجنة"وهو الذي أقر اجتهاد عمر وأبي بكر في عدم قتل المصلي إن وضح ذلك، فصار هذا الاجتهاد بهذا التقرير سنة. والصحابة الذين صلوا قبل وصولهم بني قريظة: اجتهدوا في فهم المراد من النص ونفذوه، وفقا للحكمة والمصلحة التي فهموها منه لا أنهم تركوا النص بالمصلحة.

وأما أن ابن مسعود ترك النص الذي يجيز التيمم في الجنابة للمصلحة، فهو قول مغالطة؛ لأن سند ابن مسعود في القول بعدم جواز التيمم من الجنابة هو النص نفسه الذي فهم منه أن المراد بالملامسة في قوله تعالى:"أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء" (المائدة:6) اللمس الذي يوجب الوضوء لا الجماع [77] .

وكيف يحتج الطوفي بفعل ابن مسعود (وهو صحابي لا حجة في قوله) في مسائل العبادات مع أن قوله اعتبار المصلحة حجة في العادات دون العبادات. أما العبادات فلا يؤخذ فيها إلا بالنص والإجماع وبقية أدلة الشرع؟

وهذا الرأي من الطوفي مخالف لما عليه أهل العلم سلفا وخلفا؛ لأن مذهبه هذا يتعدي حدود المصالح المرسلة إلي العمل بالمصالح التي ألغاها الشارع وهو مرفوض تماما ولا أحد يوافقه عليه؛ لأن المصلحة دائما مع الدليل الشرعي ولا كلام في ذلك. [78]

4 -استند الطوفي أيضا إلي أن: منكري الإجماع قالوا بالمصلحة فهي محل اتفاق والإجماع محل خلاف، والتمسك بما اتفق عليه أولي من التمسك بما اختلف فيه. [79]

ولقد انتقد الطوفي من قبل بعض العلماء مثل الشيخ محمد زاهد الكوثري، و الشيخ محمد أبو زهرة، و الشيخ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت