الصفحة 12 من 38

عبد الوهاب خلاف، واتهم بأنه يقدم العقل علي الشرع أو المصلحة العقلية علي النص الشرعي، ولم يدافع عنه سوي قليل من العلماء مثل جمال الدين القاسمي الذي حرر رسالة الطوفي، والشيخ علي حسب الله، وعبد المنعم أحمد النمر. [80]

والخلاصة أن مذهب الطوفي يتفق في جملته مع مذهب جمهور الأصوليين القائلين: بالتخصيص بالمصلحة، فمراد الطوفي من المصلحة تلك التي تلائم مقاصد الشرع وقواعده وتصرفاته، ومراده من النص ما كان ظنيًا .. الخ، وعليه فالطوفي بريء مما اتهمه به بعض العلماء من تقديم العقل على الشرع، وعامة ما أثير حول رأيه من شبهات مردود عند التحقيق الأصولي.

إلا أن العلمانيون يتبنون مدرسة التعطيل للنصوص.

المبحث الثاني

نماذج تطبيقية تقدم المصلحة علي النص

أولًا: من عصر الصحابة:

1 -إبطال سهم المؤلفة قلوبهم:

إن عمر - رضي الله عنه- أبطل سهم المؤلفة قلوبهم [81] الوارد في مصارف الزكاة في الآية الكريمة"إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ" (التوبة:60) .وذلك إعمالا للمصلحة في مواجهة النص.

لكن النظرة الفاحصة تكشف غير ذلك.

إن لكل حكم مناطا للتطبيق، ومناط تطبيق هذا النص هو تأليف القلب، وقد نظر عمر فإذا الإسلام قد عز، ودانت له أكبر إمبراطوريتين في العالم. ولم يعد الإسلام بحاجة إلى تأليف القلب، وإذا كان النص يدور حول علته وجودا وعدما، فإن إعمال النص نفسه يقتضي الكف عن إعطاء هذا الفريق من الناس بعد أن عز الإسلام وعزت دولته! أفليس هذا اجتهاد داخل النص؟! أم يفتات على عمر، ويقال إنه قدم المصلحة على النص! [82]

2 -قتل الجماعة بالواحد:

إن عمر - رضي الله عنه- حينما قرر قتل الجماعة بالواحد [83] قد فعل ذلك بناء على أن المصلحة مصادمة للنص الكريم:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى" (البقرة:178) وقوله [84] :"وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ". (المائدة:45) لم يكن عمل عمر تشريعا كما تصور البعض، إنما كان تطبيقا للنص بفهم عميق.

إن التعريف في النفس يعني"الجنس"ولا يعني"المفرد"والباء في النفس التالية هي باء السببية، وعلى ذلك فإن النص يعني أن كل نفس شاركت في القتل تقتل بالنفس التي قتلت أي بسبب هذه النفس المقتولة. وقد فهم ذلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت