وهذا دليل ينطوي على شبهتين: تعارض النصوص، وكون رعاية المصالح أمر حقيقيا.
الشبهة الأولى: تعارض النصوص وتخالفها:
وهذه شبهة مردودة من جهتين:
أولا: إن أدلة الشريعة لا تتعارض في الواقع للدلالة التالية:
أ- القرآن: في القرآن آيات كثيرة تدل على استئصال كل أوجه التعارض منها قوله تعالى:"وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا" (النساء:82) . وقوله"فَإِن تنازعتم فِي شئ فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول" (النساء:59) أي أن النصوص الشرعية [54] مصدر لرفع الخلاف، فلا يتصور فيها التعارض والاختلاف [55] والتناقض بأي حال، وإلا كان ذلك نقصا في منزل القرآن وطعنا في سلامة المصدر المحال عليه لتوفير الاتفاق والاجتماع. فكيف تكون النصوص متعارضة وهي آتية من عند الله؟ ودليل كونها من عند الله هو تناسق القرآن، وتوافق نصوصه، وعدم تناقض معانيه وآياته!!!
ب- ولو كانت نصوص الشريعة متعارضة متخالفة في نفسها، لأدي ذلك إلى تكليف ما لا يطاق، لأن النصين إذا تعارضا ... تعذر العمل بهما ... !!! لتنافي مقتضاهما في أن أحدهما يطلب والآخر يمنع مثلا. [56]
ثانيا: إن تعارض النصوص في نظر المجتهد لا يؤدي إلى الخلاف المذموم [57] :
قال الطوفي أن تعارض النصوص يؤدي إلى الاختلاف وهذا الاختلاف يتعارض بسبب الخلاف المذموم شرعا.
ويرد عليه الجمهور بأن: الخلاف الذي نهى عنه الشارع وحذر منه ليس هو الخلاف في فهم النصوص التي أمر الله بل الناتج من تحكيم العقول وإتباع الأهواء، على خلاف ما جاءت به النصوص الشرعية.
وأن النصوص لو كانت تؤدي إلى الخلاف الذي ذمه الشارع وحذر منه ونهى عنه لما أنزلها الشارع ولما أمر عباده بإتباعها، وأجاز لهم الاجتهاد في فهم معانيها. [58]
الشبهة الثانية: رعاية المصالح أمر حقيقي في نفسه [59] :
قوله أن رعاية المصالح أمر حقيقي في نفسه لا يختلف فيه فمردود أيضا بالواقع الشاهد من حدوث الاختلاف في أصل المصالح والمفاسد [60] .
و يصطدم في هذا بواقعين هما:
أ- أن النصوص أمر حقيقي في نفسه لا يختلف فيه، فتصبح النصوص معادلة للمصلحة في هذا القدر [61] .
ب- تطبيق مبدأ رعاية المصالح على الوقائع والجزئيات لا تكون سببا للاتفاق المطلوب شرعا [62] . بدليل الواقع