الصفحة 14 من 38

ولغيرهم من المسلمين، وهو الرأي الذي صار إليه عمر وأيده فيه كبار المهاجرين والأنصار [94] ، وفيهم علي ومعاذ الذي قال:"إنك إن قسمتها صار الريع العظيم في أيدي القوم ثم يبيدون، فيصير ذلك إلي الرجل أو المرأة ثم يأتي من بعدهم قوم يسدون من الإسلام مسدًا، وهم لا يجدون شيئًا فانظر أمرًا يسع أولهم وأخرهم" [95] قال أبو عبيد: فصار عمر إلي قول معاذ.

ثانيًا: من العصر الحديث:

1 -في مجال ممارسة العبادة:

إباحة ترك صلاة وشعائر صلاة الجمعة:

من المعلوم أن حضور الجمعة واجب علي كل مسلم بالغ عاقل مقيم حر، ولا يجوز تركها إلا لعذر [96] . قال تعالي:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ" (الجمعة: 9) ؛ ولكن إذا ترتب علي فعلها مفسدة أو ضر، فالمنطق الشرعي يقتضي منع صلاة الجمعة في هذه الحالة، وهذا ما أوصي به علماء المسلمين في أعقاب انفجار أمريكا في 11/ 9/2001م بثتها قناة أبو ظبي الفضائية في 13/ 9/2001م.

2 -في مجال الدعوة والإصلاح:

جواز ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع القدرة عليه:

فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جاء به الأمر عام يشمل جميع المكلفين، فقال تعالي:"كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ" (آل عمران:110) . وأصل"المعروف"كل ما كان معروفًا فعله، جميلا مستحسنًا، غير مستقبح في أهل الإيمان بالله، وإنما سميت طاعة الله"معروفًا"، لأنه مما يعرفه أهل الإيمان ولا يستنكرون فعله. وأصل"المنكر"، ما أنكره الله، ورأوه قبيحًا فعلهُ، ولذلك سميت معصية الله"منكرًا"، لأن أهل الإيمان بالله يستنكرون فعلها، ويستعظمون رُكوبها. [97]

وفي الحديث الشريف: قال َرسُولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ:":مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ" [98] .فأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ رَأَى مُنْكَرًا أَنْ يُغَيِّرَهُ بِيَدِهِ إنْ اسْتَطَاعَ، فَمَنْ قَدَرَ عَلَى قَطْعِ الظُّلْمِ وَكَفِّهِ وَإِعْطَاءِ كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلَمْ يَفْعَلْ، فَقَدْ قَدَرَ عَلَى إنْكَارِ الْمُنْكَرِ وَلَمْ يَفْعَلْ، فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ. [99]

فالحديث يشترط القدرة علي تغيير المنكر بامتلاك القوة، فتغيير المنكر وإن كان مستحبا أو واجبا إلا أنه مقيد بعدم ترتب ما هو أكبر منه؛ لأن مقصود الشارع من الأمر بتغيير المنكر دفع الشر عن الناس، فإذا ترتب عليه شر أكبر منه فإن التغيير يمنع شرعا، ويعمل بالنص العام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت