ومن الأدلة أيضًا: - ما في الصحيحين من حديث أم سلمة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض ، فأقضي له على نحو ما أسمع ، فمن قطعت له من حق أخيه شيئًا فإنما أقطع له قطعة من نار"وهذا يوضح الدليل قبله فإن بعض الناس يكون لبقًا في حجته وعنده فصاحة في ترتيب البينة وتصفيف الكلام والظهور بمظهر المظلوم ، والقاضي بين الناس لا يعلم الغيب ولا ما في السرائر وإنما له الظاهر فقط ، فإذا غلب على ظنه صحة دعوى أحد الخصمين بعد النظر والتروي فليحكم بذلك ولا يكلف شرعًا بأكثر من ذلك ، ولكن هذا الحكم الصادر من إنما هو عن غلبة ظن بصدق الدعوى ولا يقطع الحاكم قطعًا مؤكدًا في كل أحكامه الصادرة منه أنه اليقين الموافق للحق بلا احتمالٍ آخر ، وهذا هو العمل بغلبة الظن ، بل ذلك يصدر حتى منه صلى الله عليه وسلم بنص هذا الحديث ، ولكن هذا الحكم لا يغير من الحق في الباطل شيئًا إن كان وقع مخالفًا لما هو الحق ، فبين هذا الحديث أن الأحكام التي تصدر من الحكام إنما هي عن غلبة الظن فل يفرح المحكوم له بحق أخيه بهذا الحكم الصادر فإنه لا ينفعه عند الله يوم القيامة ، وهذا دليل على أن الحاكم يكتفي في حكمه بما يغلب على ظنه بعد سماع الحجج والنظر في مقبولها ومردودها وصحيحها من سقيمها ، ولو لم نقل ذلك لنسد باب التحاكم والتقاضي لأن الوصول إلى اليقين في كل قضية حملٌ لا يطاق فاكتفى الشارع من الحاكم بغلبة الظن مما يدل على أن غلبة الظن كافية في العمل والله أعلم .