فهرس الكتاب
فالخير في الأمَّة كله يرجع إلى هذه العصور فكيف يتناسى الخير ويُضخم الشر؟!
وبهذا يتبين أنَّ فهمكم غير سليم وحكمكم غير مستقيم.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
110)قلتم:(وهذا هو الحجَّاج صنيعة أيديهم اقترف من الجرائم البشعة ما يندى لها جبين الإنسانية، ولا أطيل الكلام في ذلك والتاريخ خير شاهد على كذب هذه الرواية ووضعها من قبل سماسرة الحديث، لتطهير الجهاز الحاكم الأموي ممَّا ارتكبه.
ويكفي في ذلك ما علَّقه أبو المعالي الجويني على هذا الحديث قائلًا:
وممَّا يدل على بطلانه، أنَّ القرن الذي جاء من بعده بخمسين سنة شر قرون الدنيا، هو أحد القرون التي ذكرها في النص، وكان ذلك القرن هو القرن الذين قُتِل فيه الحسين، وأوقع بالمدينة، وحوصرت مكة، ونقضت الكعبة، وشربت خلفاؤه والقائمون مقامه المنصَّبون في منصب النبوة الخمور، وارتكبوا الفجور، كما جرى ليزيد بن معاوية، ويزيد بن عاتكة، ووليد بن يزيد، وأُريقت الدماء الحرام، وقُتِل المسلمون وسُبي الحريم، واستُعبِد أبناء المهاجرين والأنصار، ونُقشت على أيديهم كما ينقش أيدي الروم، وذلك في خلافة عبدالملك وإمرة الحجَّاج).
قلت هنا وقفات:
أولًا: زعمتم أنَّ التاريخ خير شاهد على كذب الرواية ولعلَّ الصحيح هو العكس كما مر.
ثانيًا: اتهامكم لعلماء الأمَّة وثقاتها بأنَّهم يصنعون الأحاديث لتطهير الجهاز الحاكم دعوى مردودة عارية عن الدليل والمنهج العلمي يردها ولا يليق بمسلم أن يسلك هذا المسلك الخطير بإطلاق الاتهامات بدون دليل.
ولو فتح هذا الباب لرد كل شخص ما لا يتفق مع عقله أو معتقده بمجرد المخالفة ونحن نلتزم ونلزم في كل مسألة خلافية أن نخضعها للمنهج العلمي في كل باب بحسبه فباب الرواية نخضعها لدراسة رواتها قبل إطلاق الأحكام.
ورواة هذا الحديث ثقات أعلام والطرق متعددة فأنَّى يصح هذا الحكم الذي أطلقتموه في حديث توارد على روايته أصح الكتب بعد كتاب الله - عز وجل - من خلال رواة كلهم ثقات حفاظ لمجرد نظرة غير دقيقة.
فقد ورد هذا الحديث عن قرابة عشرة من الصحابة خرج البخاري ومسلم حديث اثنين منهم والأخرى وردت في المسانيد والسنن نكتفي بالإشارة إلى روايات الصحيحين:
الأولى: عن عبدالله بن مسعود مدارها على إبراهيم بن يزيد النخعي والذي أثنى عليه العلماء قال العجلي: (كان رجلًا صالحًا فقيهًا متوقيًا قليل التكلف ومات وهو مختف من الحجاج) [1] فالذي يعادي الحجاج وهو أحد ولاة بني أمية سيكذب لهم؟!
وشيخه الذي رواه عنه هو (عَبيدة السلماني) وهو من الرواة عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - حتى قال ابن المديني والفلاس: (أصح الأسانيد: محمد بن سيرين عن عَبيدة عن علي) [2] .
(1) تهذيب الكمال/1/ 378/
(2) تهذيب التهذيب/4/ 112/