فهرس الكتاب
32)أوردتم حديث حُذيفة قال: (إنَّ المنافقين اليوم شر منهم على عهد النبي - كانوا يومئذٍ يُسرُّون واليوم يجهرون) [1] .
للحديث أحد معنيين:
المعنى الأول: أنَّ المنافقين الذين ظهروا في عصر حُذيفة - رضي الله عنه - جاهروا بنفاقهم على خلاف ما كان المنافقون السابقون.
قال ابن التين: (أراد أنَّهم أظهروا من الشرّ ما لم يُظهِر أولئك غير أنَّهم لم يُصرِحوا بالكفر وإنَّما هو النفث يلقونه بأفواههم فكانوا يُعرفون به) [2] .
فهذا الذي فهم العلماء من هذا النص وهو الراجح لما في لفظ آخر أورده الفريابي بسنده عن حُذيفة أنَّه قال: (المنافقون الذين فيكم اليوم شرٌّ من المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله - فقلنا: يا أبا عبدالله: وكيف ذاك؟ قال: إنَّ أولئك كانوا يُسرُّون نفاقهم وإنَّ هؤلاء يعلنون) [3] وفي هذا إشارة إلى أنَّ المنافقين في عهد النبي - قد انتهوا.
المعنى الثاني: أنَّ المنافقين الذين كانوا على عهد النبي - جهروا بالنفاق وأعلنوه وهذا المعنى غير واضح فإنَّه لم ينقل لنا أي خبر يدل على أنَّ المراد بهم هم أولئك بأعيانهم ثمَّ لو كان هذا هو المراد لكان يعني أنَّهم انكشفوا وظهر نفاقهم فلم يعد يُخشى منهم أن يزوِّروا حديثًا أو أن ينسبوا إلى الدين ما ليس منه لأنَّهم انكشفوا.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
33)ثمَّ أوردتم حديثًا آخر عن حُذيفة: (إنَّما كان النفاق على عهد النبي - فأمَّا اليوم فإنَّما هو الكفر بعد الإيمان) [4] [صحيح البخاري/8/ 100 ـ كتاب الفتن] .
قلت: هذا الحديث بنفس المعنى السابق.
قال ابن التين: (كان المنافقون على عهد رسول الله - آمنوا بألسنتهم ولم تُؤمن قلوبهم، وأمَّا من جاء بعدهم فإنَّه وُلِد في الإسلام وعلى فطرته، فمن كفر منهم فهو مرتد، ولذلك اختلفت أحكام المنافقين والمرتدِّين) [5] .
ونص الحديث واضح فهو يقول: (فأمَّا اليوم فإنَّما هو الكفر بعد الإيمان) أي أنَّ أُناسًا آمنوا ثمَّ غيَّروا وهذا لا يكاد يخلو منه زمن.
ثمَّ لو كان المراد أن المنافقين الذين كانوا على عهد النبي - أعلنوا الكفر فذلك خير لأنَّه يكشف عن عقائدهم الكاذبة التي استتروا وراءها في عهد النبي -.
(1) رواه البخاري/ح/7113/
(2) أورده ابن حجر في الفتح/13/ 74/
(3) صفة المنافق/ح/53/ وابن أبي شيبة/15/ 109/
(4) رواه البخاري/ح/7114/
(5) أورده ابن حجر في/الفتح/13/ 74/