فهرس الكتاب
والقصد من عدالة الصحابة هو قبول رواياتهم من غير بحث عنهم وهذا قد أجمع عليه جميع المحدثين ولم ينقل عن أحد منهم من ردَّ رواية صحابي ثبتت صحابته بدعوى جهالته أو عدم عدالته وكذلك الفقهاء والأصوليون والمفسرون لم يرد عن أحد منهم جميعًا أنَّه ردَّ رواية صحابي أو توقف فيها بشبهة عدم العدالة.
والمطلع على كتب التراجم يرى ذلك واضحًا جليًا.
قال الشوكاني: (اعلم أنَّ ما ذكرناه من وجوب تقديم البحث عن عدالة الراوي إنَّما هو في غير الصحابي فأمَّا فيهم فلا، لأنَّ الأصل فيهم العدالة فتُقبل روايتهم من غير بحث عن أحوالهم حكاه ابن الحاجب عن الأكثرية قال القاضي هو قول السلف وجمهور الخلف وقال الجويني بالإجماع ... ) [1] .
قال الجويني: (ولعل السبب في قبولهم من غير بحث عن أحوالهم أنَّهم نَقَلة الشريعة ولو ثبت التوقف في روايتهم لانحصرت الشريعة على عصر الرسول - ولما استرسلت على سائر الأعصار) [2] .
ــــــــــــــــــــــــــــــ
51)أوردتم قول التفتازاني مختصرًا ومطولًا (ص10و11) وسيأتي ومنه قوله: (إنَّ ما وقع من الصحابة من المحاربات والمشاجرات على الوجه المسطور في كتب التواريخ والمذكور على ألسنة الثقات يدل بظاهره على أنَّ بعضهم قد حاد عن طريق الحق وبلغ حد الظلم والفسق وكان الباعث له الحقد والعناد والحسد واللداد وطلب المُلك والرئاسة) .
ثم يقول: (ليس كل من لقي النبي بالخير موسومًا إلا أنَّ العلماء لحسن ظنِّهم بأصحاب رسول الله - ذكروا محامل وتأويلات بها تليق وذهبوا إلاَّ أنهم محدودون عمَّا يوجِب التضليل والتفسيق صونًا لعقائد المسلمين من الزلل والضلالة في حق كبار الصحابة سيما المهاجرين منهم والأنصار والمبشرين بالثواب في دار القرار) [شرح المقاصد/5/ 310] .
الجواب من وجوه:
أولًا: التفتازاني قد شذ بهذا القول عن أقوال أهل السنَّة التي تؤكد عدالة جميع الصحابة ولم يشذ عن ذلك إلاَّ أهل البدع ـ كما تقدم من قول ابن حجر والألوسي ـ.
ثانيًا: التفتازاني لم يرد بكلامه الطعن في الطبقات العليا من الأصحاب بل برَّأهم كما هو واضح في كلامه ولكن أراد ما وقع بينهم من الخلاف والقتال بعد عصر الخلفاء الثلاثة.
ثالثًا: كلامه في الطعن يشمل الصحابة المتقاتلين في عهد علي ومعاوية رضي الله عنهما ويحتمل كلامه الطعن في كل منهما ونحن نبرئ كلًا منهما عن قوله وإن كنَّا نعتقد أنَّ عليًّا - رضي الله عنه - هو المحق في هذا القتال وأنَّ معاوية - رضي الله عنه - مخطئ ولا نتجاوز هذا المقدار.
رابعًا: اعتمد في حكمه على كتب التواريخ ولم يستطع أن يورد كتابًا من كتب الحديث المعتمدة وكتب التواريخ كما هو معروف مملوءة بالروايات الضعيفة والمكذوبة بل بعض الروايات يعارض البعض الآخر.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
52)قلتم: (وهذا أبو حامد الغزالي المتوفي"505"بعد أن قال:(إنَّ عدالتهم معلومة بتعديل الله - عز وجل - إياهم وثنائه عليهم في كتابه فهو معتقدنا فيهم) قد نقل اختلاف العلماء في حكم الصحابة بقوله:(وقد زعم قوم أنَّ حالهم كحال غيرهم في لزوم البحث وقال قوم: حالهم العدالة في بداية الأمر إلى ظهور الحرب والخصومات ثم تغير الحال وسُفِكت الدماء فلا بد من البحث وقال جماهير المعتزلة: عائشة وطلحة والزبير وجميع أهل العراق والشام فُسَّاق بقتال الإمام الحق.
وقال قوم من سلف القدرية: يجب رد شهادة علي وطلحة والزبير مجتمعين ومفترقين ... إلخ) [المستصفى/130/الباب الثالث في الجرح والتعديل_الفصل الرابع في عدالة الصحابة]
قلت الرد من وجوه:
أولًا: الغزالي ذكر مذهب أهل السنَّة الذي عليه علماؤهم والمحققون منهم ثمَّ ذكر أقوالًا لا يُدرى من أصحابها مصدرًا لها بقوله: (وقد زعم قوم .. ) وهذا يذكر لتضعيف القول ورده وذكر قول المعتزلة وهو قول خارج عن قول أهل السنَّة.
ثانيًا: هذه الأقوال لم تحض بالقبول لدى جميع المحدثين الناقلين للحديث ولا الفقهاء المستنبطين للأحكام ولا المفسرين لكتاب الله - عز وجل - وإنَّما هي أقوال تُذكر لتحذير القارئ من أقوال شذَّ أصحابها عن جماهير الأمَّة فأيُّ فائدة في أقوال لا نرى لها أثرًا في التطبيق والعملُ على خلافها؟!
وهل تعارض أقوال آلاف العلماء بأقوال شاذة مفردة؟!
ثالثًا: بعض هذه الأقوال تطعن في جميع المتقاتلين وترد شهاداتهم: عليّ وطلحة والزبير فهل يمكن أن نعتبرها أو نحترمها؟!
إنَّ الشذوذ لا تخلو منه طائفة والعبرة بمذهب الطائفة الذي يتوارد عليه علماؤها ومحققوها لا الأقوال الشاذة، فقد مرَّ معنا قول ابن حجر رحمه الله الحافظ الموسوعة الذي يعتبر إمام عصره حيث قال: (اتفق أهل السنَّة على أنَّ الجميع عدول ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المتبدعة) [3] . فهذا ملخص المسألة عند أهل السنَّة.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
53)قلتم (ص"11") : (فقد صرح جماعة من أكابر علماء أهل السنَّة من المتقدمين والمتأخرين بأنَّ الصحابة غير معصومين وفيهم العدل وغير العدل وإليك نص كلمات بعضهم .. ثمَّ ذكرتم الأقوال .. )
أولًا: كلامك يوحي بأنَّ من ذكرتهم يطعنون في عدالة الصحابة وهذا ليس صحيحًا فإنَّ أكثر من أوردت أسماءهم يتحدثون عن عدم عصمتهم وعدم وجوب متابعتهم في فتاواهم فأين هذا من موضوع العدالة؟!.
وسيأتي بيان ذلك بمشيئة الله تعالى.
(1) إرشاد الفحول/126/
(2) ذكره الشوكاني/إرشاد الفحول/127/
(3) الإصابة/10/