إمَّا أَنْ يُعَذِّبَهُمْ وَإِمَّا أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ، فَهَذَا حَالُ النَّاسِ فِي الْخَنْدَقِ وَفِي هَذِهِ الْغَزَاةِ ، وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ابْتَلَى النَّاسَ بِهَذِهِ الْفِتْنَةِ ؛ لِيَجْزِيَ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ ، وَهُمْ الثَّابِتُونَ الصَّابِرُونَ لِيَنْصُرُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ، وَنَحْنُ نَرْجُو مِنْ اللَّهِ أَنْ يَتُوبَ عَلَى خَلْقٍ كَثِيرٍ مِنْ هَؤُلاَءِ الْمَذْمُومِينَ ؛ فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ نَدِمَ ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنْ السَّيِّئَاتِ ، وَقَدْ فَتَحَ اللَّهُ لِلتَّوْبَةِ بَابًا مِنْ قِبَلِ الْمَغْرِبِ عَرْضُهُ أَرْبَعُونَ سَنَةً ، لاَ يُغْلِقُهُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا ،
وَقَدْ ذَكَرَ أَهْلُ الْمَغَازِي - مِنْهُمْ ابْنُ إسْحَاقَ - أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي الْخَنْدَقِ: (( الأنَ نَغْزُوهُمْ وَلاَ يَغْزُونَا ) ) (1) ، فَمَا غَزَتْ قُرَيْشٌ وَلاَ غطفان وَلاَ الْيَهُودُ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَهَا ؛ بَلْ غَزَاهُمْ الْمُسْلِمُونَ: فَفَتَحُوا خَيْبَرَ ثُمَّ فَتَحُوا مَكَّةَ .
(1) مسند أحمد: 4/262 .