... فإذًا لا ملازمة بين الحرام والنجاسة ، أعني أن دليل التحريم لا يستفاد منه النجاسة ، فكذلك أصل العبادة ووصفها ، فإن من ربط العبادة بزمان أو مكان معين فإننا إذا طالبناه بالدليل لا نريد منه أن يأتي بالدليل المثبت لأصل هذه العبادة وفضلها ؛ لأن هذا معلوم عندنا وعنده ، ولكننا نريد منه أن يأتي بالدليل المثبت لربط هذه العبادة الشرعية بهذا الزمان المعين أو المكان المعين ، فإذا طالبناه بذلك فإنه لاحق له أن يستدل على ذلك بالأدلة العامة المثبتة لفضل هذه العبادة ؛ لأن هذه الأدلة إنما تثبت أصل العبادة ونحن لم نطالبه بدليل على الأصل وإنما طالبناه بدليل الوصف ، وشرعية الشيء بأصله لا تستلزم شرعية بوصفه ، فقد تكون العبادة مشروعة بأصلها لكنها ممنوعة من قبل وصفها والمراد في العبادة أن تكون مشروعة بأصلها ومشروعة بهذا الوصف المعين ، وإنما أُتِيَ المبتدعة من عدم التفريق بين أصل العبادة ووصفها ، وعدم التفريق بينهما طامة كبيرة وهاوية خطيرة تفضي إلى الإحداث في الدين ، وهو ممنوع شرعًا ، ومن أسبابه الجهل بهذا الفرق ، فصار رفع الجهل في هذه الجزئية من الواجبات ؛ لأنه وسيلة إلى واجب وهو عدم الإحداث ، وقد تقرر في القواعد أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، ومعرفة هذه القاعدة العظيمة أعني قاعدة: ( شرعية الأصل لا تستلزم شرعية الوصف ) تعطي طالب العلم قوة في الحجة وتمييزًا بين المقبول والمردود ، والسنة والبدعة ، والمشروع وما ليس بمشروع ، فليست هي من فضول العلم الذي يمكن الاستغناء عنه ، وتتضح أهميتها إذا عرفت أن كل أهل البدع العملية لهم صنفان من الأدلة: فإما أن يستدلوا على بدعهم بالمرويات الضعيفة والنقول الكاذبة الموضوعة التي لا خطام لها ولا زمام ، وهذا الصنف من الأدلة ترده القاعدة التي تقول: ( الأحكام الشرعية تفتقر في ثبوتها للأدلة الصحيحة الصريحة ) ، وسنخصص لها رسالة مستقلة - إن شاء الله تعالى - .