... وإذا أنكرنا عليهم ذلك قالوا: إن الفاتحة هي أم القرآن وهي السبع المثاني والقرآن العظيم وهي أعظم سورة في القرآن ، وقد جمعت في مفرداتها كل الشريعة ، وقد جاء في فضلها من الأحاديث ما هو معروف مشهور ، وهي الشفاء والصلاة ، ونحن نريد أن ننفع ميتنا بقراءتها على روحه . فنقول لهم: نعم إن ما ذكرتموه حق لاريب فيه وصدق لاشك فيه ، فالفاتحة لها فضل عظيم كما قلتم ، وليس الذي أنكرناه عليكم هو الفاتحة ذاتها حتى تستدلوا بهذه الأدلة ، فنحن وإياكم متفقون على أهميتها وعظم فضلها وكبر شأنها بين سور القرآن ، ولكن هذه الأدلة إنما تثبت أصل الفضل وهذا لا نزاع فيه بيننا وبينكم ، ولكن الذي نريده منكم هو إثبات شرعية قراءتها على روح الأموات ، فإنكم تعتقدون أنها نافعة في هذا الوقت بعينه ، أي وقت ذكر اسم الميت ، فأين الدليل على هذه الجزئية بعينها ؟ ولا حق لكم أن تثبتوا ذلك بالأدلة المفيدة لأصل الفضل ؛ لأن دليل الأصل للأصل وما تفعلونه شيء زائد على الأصل ، فأين الدليل لهذا القدر الزائد على الأصل ؟ ومجرد شرعية الأصل لا تستلزم شرعية الوصف .
... فأنتم تقرأون الفاتحة على صفةٍ معينة وهي قراءتها على روح الميت فأين الدليل المثبت لشرعية ذلك ؟ فإنه لم ينقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا عن أحد من أصحابه ولا عن أحد من سلف الأمة وأئمتها فعل ذلك ، وقد كانوا يسمعون ويذكرون أسماء موتاهم وهم يحرصون على إيصال النفع لهم ومع ذلك لم يثبت عن أحدٍ منهم أنه كان يقرأ الفاتحة على روح أحدٍ من أمواته ، فقد كان اسم خديجة بنت خويلد يطرق مسامع النبي - صلى الله عليه وسلم - كثيرًا ، وكذلك اسم أبنائه وبناته الذين ماتوا قبله ، وكذلك اسم عمه حمزة ، وابن عمه جعفر بن أبي طالب ، وغيرهم من شهداء المسلمين في بدر وأحد ، ومع ذلك لم يكن يقرأ الفاتحة على روح أحد منهم مع حبه الشديد لهم وحرصه على إيصال ما ينفعهم بعد موتهم .