... فلو كانت قراءة الفاتحة على روح الميت مما يصل نفعها للأموات أو أنها من البر بهم أو أنها من جملة ما يتعبد لله جل وعلا به لفعلها النبي - صلى الله عليه وسلم - ولو مرة واحدة ليبين للأمة مشروعية ذلك ، لكنه لم يثبت عنه أبدًا أنه فعل ذلك ولو مرة واحدة ، فهو أمر محدث ، فيدخل تحت قاعدة: ( كل إحداث في الدين فهو رد ) ، وأنتم تفعلونه على أنه عبادة والأصل في العبادات المنع إلا ما ورد الدليل بجوازه ، ونحن نعلم أنكم بفعلكم هذا تريدون نفع الأموات ، ولكن سلامة المقاصد لا تدل على صحة العمل ، وليست بمسوغ للوقوع في المخالفة ، فالحق أحق أن يتبع .
... فقراءة الفاتحة على روح الأموات شيء ليس من أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد قال: (( من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد ) )، وقراءتها على روح الأموات داخل فيما حذرنا منه النبي - صلى الله عليه وسلم - من شأن المحدثات حينما قال: (( وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة ) )، ويزداد الأمر سوءًا أن العادة عند من يقرؤها على روح الميت أنه يرفع يديه حال قراءتها فإذا انتهى منها مسح بهما وجهه ، وهذا كله محدث لا أصل له في الشرع وإنما هو تقليد أو استحسان لا أساس له من الصحة ، فإن تقليد الغير في الضلال ضلال ، واستحسان ما استقبحه الشارع تنكب عن الصراط المستقيم ومخالفة للمنهج القويم ، واستحباب قراءتها حكم شرعي وقد تقرر سابقًا أن الأحكام الشرعية تفتقر في ثبوتها للأدلة الصحيحة الصريحة .
... وبناءً عليه فأقول: لابد من التفريق بين أصل الفضل للفاتحة وبين إخراجها على هذه الصفة المعينة ، فشرعية الأصل لا تستلزم شرعية الوصف ، بل الوصف يتطلب دليلًا آخر غير دليل الأصل لأنه شيء زائد عليه وشرعية الأصل لا تستلزم شرعية الوصف ، والله أعلم .
( فصل )
الفرع الرابع
ما يفعله عباد القبور عند من يعظمونهم