فهرس الكتاب
قلت: لكن لابد أن يقيد هذا الجهل بالجهل الذي يعذر به صاحبه , وهو الجهل الذي تعذرت أسباب رفعه وعجز المكلف عن كشفه لعذر من الأعذار كمن نشأ في بادية بعيدة عن العلم والعلماء أو أسلم حربي في دار حرب مثلا ولا يستطيع الهجرة إلى ديار الإسلام ونحو ذلك , فأما الجهل الذي يستطيع المكلف كشفه متى شاء لكن اشتغل عن رفعه بالدنيا وشهواتها فهذا الجهل لا يعذر به صاحبه , فالعبد مأمور برفع الجهل عن نفسه وهذا الأمر مناط بالقدرة لحديث"إذا أمرتكم بأمر فأتوا من ما استطعتم"وقد تقرر في القواعد أن الواجبات تسقط بالعجز عنها , وكذلك لا يكون الجهل عذرا في مسائل الدين الكبار كما نص على ذلك أهل العلم رحمهم الله تعالى , فمسائل التوحيد الكبار كوحدانية الله تعالى وصدق الرسالة ونحوها , هذه لا يعذر بالجهل فيها لأنها من المسائل التي انتشرت براهينها في الأمة وصار العلم بها من الضروريات التي لا يدعي بالجهل بها إلا معاند مكابر , وبالجملة فالعلم بالتحريم شرط والجهل بالشروط السابقة مانع .
ورابعها: القصد , وضده الخطأ فالقصد شرط والخطأ مانع , فإن بعض المكفرات قد تجري على ألسنة البعض وهم لا يقصدون بها معناها وإنما جرت على لسانهم خطأ فهؤلاء لا ينطبق عليهم حكم هذه الكلمات كحديث ذاك الرجل الذي قال"اللهم أنت عبدي وأنا ربك"فقال عليه الصلاة والسلام"أخطأ من شدة الفرح"فلم يرتب عليه الحكم لفوات شرط وهو القصد ووجود مانع وهو الخطأ
وخامسها: الاختيار وضده الإكراه , فالاختيار شرط والإكراه مانع فمن قال الكفر أو فعله مكرها فلا شيء عليه إذا كان قلبه مطمئنا بالإيمان قال تعالى"من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان"وفي الحديث"إن الله تبارك وتعالى تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"وإسناده جيد وقد تلقته الأمة بالقبول .