فهرس الكتاب
وقد شرحنا هذه القاعدة في كتابنا تلقيح الأفهام ، ويعبر عنها بعضهم بقوله ( المعاملات مبناها على الأغراض والمعاني لا على الألفاظ والمباني ) وبعضهم يعبر عنها بقوله ( الاعتبار في العقود والأفعال بحقائقها ومقاصدها دون ظواهر ألفاظها وأفعالها ) وكلها تعبر عن معنىً واحد وهو: - أن العقود مبنية على المعاني والأغراض لا على المباني والألفاظ وقد قررها أبو العباس بن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم رحمهما الله تعالى أيما تقرير ، وقد أتو فيها بما لم يأت به غيرهم ، والأدلة عليها كثيرة جدًا ، وبيانها أن يقال: - أنه إذا أبرم شخصان عقدًا من العقود فإنه لا ينظر إلى الألفاظ التي يستعملها المتعاقدان وإنما ينظر إلى مقاصدهما الحقيقية من الكلام الذي يلفظ به حين العقد ، لأن المقصود بالعقود هو معانيها ، وليس اللفظ ولا الصيغة المستعملة فالألفاظ إذا كانت تنص على شيء والمقاصد والبواعث والنيات والحقائق على شيء آخر فنطرح اللفظ ونعمل بالمقصد ومن تدبر مصادر الشريعة ومواردها تبين له أن الشارع ألفى الألفاظ التي لم يقصد المتكلم معانيها بل جرت عن غير قصدٍ منه كالنائم والناسي والسكران والمكره والجاهل والمخطئ من شدة الفرح أو الغضب أو المرض ونحوهم ، ولم يكفر من قال من شدة الفرح ( اللهم أنت عبدي وأنا ربك ) فكيف تعتبر الألفاظ التي يقطع بأن مراد قائلها بخلافها ولهذا رد الله جل وعلا شهادة المنافقين ووصفهم بالخداع والكذب والاستهزاء وذمهم على أنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم وأن بواطنهم تخالف ظواهرهم وذم الله تعالى من يقول ما لا يفعل وأخبر أن ذلك عنده من أكبر المقت ، ولعن اليهود إذا توسلوا بصورة عقد البيع على ما حرمه عليهم إلى أكل ثمنه وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له ولعن أيضًا في الخمر عاصرها ومعتصرها ومن المعلوم أن العاصر إنما عصر عنبًا ولكن لما كانت بنيته وقصده الفاسد ، فمن تدبر ذلك وغيره