الصفحة 107 من 141

علم يقينًا أن الشريعة ما أهملت النظر في مقاصد الأقوال والأفعال وأن من اقتصر على النظر إلى ظواهر الألفاظ فقط فإنه قد يحلل الحرام ويحرم الحلال وينصر الظالم ويعينه على ظلمه ويصحح الفاسد إذًا فالمقاصد لها شأن كبير في الشريعة الإسلامية وهي الأصل وإنما جعل اللفظ معبرًا عنها فإذا اختلفت معه قدمناها عليه ، ولا تظن أن هذه القاعدة تخالف القاعدة التي قبلها إنما هي متفقة معها كل الاتفاق ، لأن القاعدة التي قبلها إنما هي فيما إذا لم يقترن باللفظ ما يخرجه عن المقصود منه ، وهذه القاعدة فيما إذا اقترن به ما يخرجه عن مقصوده من القرائن والمقاصد ويتضح ذلك إذا عرفت أن اللفظ باعتبار مطابقة القصد من عدمه له ثلاثة أحوال: إما أن تظهر مطابقة القصد للفظ ففي هذه الحالة يجب حمل كلام المتكلم على ظاهره ، ولا يجوز إهمال لفظه بل تحمل ألفاظ المتكلم في هذه الحالة على حقائقها اللغوية وهذا حق لا ينازع فيه عالم ، وإما أن نعمل يقينًا أو يغلب على ظننا أن المتلفظ باللفظ لا يريد حقيقته ولا معناه ، أي أننا نعلم قطعًا أنه لا يريد حقائق هذه الألفاظ ولا معانيها وهذا له حالتان: أن نعلم أنه لا يريد غيرها وإنما جرت على لسانه من غير إرادة لا لمعناها ولا لغير معناها فهذا الكلام لغو لا حكم له شرعًا ، وذلك ككلام النائم والمغمى عليه والمجنون والناسي والمخطئ وككلام من أشتد به السكر أو الغضب وككلام المكره ونحوهم ، فهؤلاء لا عبرة بكلامهم لأنهم حال التلفظ نعلم جزمًا أو يغلب على ظننا أنهم لم يريدوا حقيقة كلامهم ولا معناه ، والحالة الثانية: أن نعلم أنه لم يرد حقيقة لفظه الذي تكلم به وإنما كان يريد غيره ككلام الموري والمعرض والمتأول والملغز ونحوهم فهؤلاء لا شك لا عبرة بألفاظهم لأننا نعلم أو يغلب على ظننا أنهم لم يريدوا حقائقها ومعانيها وفي ذلك نزاع عند البعض ولكن هذا هو الراجح ، وهو الذي يقرره شيخ الإسلام وتلميذه في مواضع كثيرة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت