فهرس الكتاب
أقول: اعلم أرشدك الله لطاعته أن اليمين هي تأكيد أمر بذكر اسم من أسماء الله تعالى أو صفة من صفاته ، وهذا الباب كل من أوله إلى آخره مبناه على المقاصد فإذا حلف رجل فإن المعتمد في اليمين قصده وغرضه منها فالواجب أولا حمل يمينه على ما يقصده بقلبه ، إذا كان قصده موجودًا حال عقد اليمين ، فإن لم يكن القصد موجودًا ، فلا ينبغي تعطيل اليمين بل الواجب حينئذٍ أن نحملها على السبب المهيج إن كان هناك سبب قد هيجها أي العلة التي من أجلها حلف ذلك الرجل ، فإذا لم يكن هناك سبب مهيج فإننا نحمل اليمين على ما تقتضيه الحقيقة ، والحقائق ثلاث لغوية وشرعية وعرفية ، والحالتان الأخيرتان لن نتكلم عليهما وإنما سنتكلم على الحالة الأولى ، وهي الأصل في باب الأيمان ، فالأيمان مبناها على المقاصد والأغراض لا على مجرد الألفاظ وهذه القاعدة فرع عن القاعدة التي قبلها وفروعهما في الغالب واحدة ولذلك لن نطيل في شرحها ويستدل عليها حديث ( إنما الأعمال بالنيات ) واليمين قول ، فهي داخلة في عموم ( الأعمال ) وقد علقها النبي صلى الله عليه وسلم بالنيات ، مما يدل على أن الأصل هو حمل اليمين على نية صاحبها أولًا ، فإذا كان له قصد فإنه المعتمد ولا نتعداه إلى غيره فالأيمان بالنيات لأنها عمل والأعمال بنياتها والأقوال والأعمال بمقاصدها وهذا واضح . ويؤيد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم ( وإنما لكل امرء ما نوى ) وأما فروعها فلا تكاد تنحصر وأذكر لك طرفًا صالحًا منها فأقول:
منها: لو دعي إلى شرب شراب مسكر فحلف أن لا يشربه فانقلب ذلك الشراب خلًا بفعل الله تعالى فشربه فهل يحنث ؟ فيه خلاف والراجح أنه لا يحنث لأن نيته كانت مخصصه بشربه لما كان مسكرًا وقد زالت العلة التي من أجلها حلف على عدم شربه وإذا زالت العلة زال الحكم فلا حرج عليه في شربه لأن الأيمان مبناها على البواعث والمقاصد والأغراض لا على مجرد الألفاظ وهذا واضح .