الصفحة 135 من 141

وذلك أن هناك من الألفاظ ما هو صريح في المراد فهذا يعطي حكمة مباشرة كصريح ألفاظ الطلاق وصريح ألفاظ القذف وصريح ألفاظ الوكالة وصريح ألفاظ البيع وصريح ألفاظ الوقف وغيرها ، فإذا كانت اللفظة تدل الدلالة الصريحة على مقصود العقد بلا احتمال آخر فإننا نبرم بها العقد ونرتب عليها الأثر مباشرة ، ولكن هناك ألفاظ محتملة ، تصلح للمراد بها ولغيره ، أي تحتمل هذا وتحتمل هذا ، أي أنها ليست بصريحة في المراد أي ليست نصًا فيه ، فهذه الألفاظ هي التي نسميها بالكنايات ، فالكنايات جمع واحدة كناية وهو اللفظ المحتمل الموهم ، فهذه الألفاظ المحتملة الموهمة لا يجوز لنا أن نرتب عليها آثارها فور صدورها من أصحابها ، بل لا بد أولًا من التأكد أنهم إنما أرادوا بها هذا الشيء ، وذلك بسؤالهم عن نيتهم ومقصودهم بها ، فإن بينوا لنا ما يوجب ترتيب الأثر رتبناه وإن بينوا لنا شيئًا آخر قبلناه منهم وجعلنا الأمر بينهم وبين الله تعالى وحسابهم على الله تعالى يوم القيامة ، وللقاضي أن يحلفهم على ذلك ، أي أن يقول لهم: احلفوا بالله تعالى أنكم ما أردتم إلا هذا المعنى ، فإذا حلفوا فلا شيء عليهم وإن نكلوا قضي عليهم بالنكول ، ودليل ذلك أن الأصل عدم ثبوت هذه الآثار إلا بيقين والكناية لوحدها لا تفيد بثبوتها لأنها لا توصلنا إلى مرتبة اليقين ، بل ولا إلى غلبة الظن ، فلا تنتقل عن الأصل المتقرر وهو عدم الثبوت إلا باليقين ، فطلبنا اقتران النية بالكتابة حتى تقويها وترفعها إلى مرتبة اليقين أو غلبة الظن وأما أن نثبت الآثار بمجرد الأوهام والكنايات المجردة عن النيات فإن هذا لا تأتي به الشريعة لأن المتقرر أن الأصل هو البقاء على الأصل حتى يرد الناقل ، ولأن اليقين لا يزول بالشك والمقصود أن الكناية لوحدها بلا نية لا تستطيع ولا تقوى على إثبات الأثر ، لكن إذا اقترنت بها النية فإنها تقوى حينئذ على إثباته ، فتلخص بذلك أن الكنايات تفتقر في ترتيب

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت