فهرس الكتاب
…أقول: اعلم رحمك الله تعالى أن الشريعة إما فعل مأمور أو ترك منهي ، وقولنا (المأمورات) أي الواجبات والمستحبات ، وقولنا (التروك) أي المحرمات والمكروهات والنية يختلف المقصود منها باختلاف الباب ، فإن كان الباب من المأمورات فالنية شرط في صحته ، أي أن ما أمرت به الشريعة أمير إيجاب أو استحباب فإنه لا يصح إلا بالنية ، ونعني بالنية المشروطة أي النية لإيقاع العمل ونية التعبد بهذا العمل لله وحده جل وعلا فلا بد من اجتماعهما في فعل المأمور ، فلو تخلفت هذه النية عن فعل المأمور فإن المأمور لا يصح من أساسه ، لأن النية شرط في صحته والمتقرر أنه إذا تخلف الشرط تخلف المشروط ، وأما إذا كان الباب من أبواب التروك فإن مجرد الترك كافٍ في براءة الذمة ، إلا أن الترك المجرد عن النية الحسنة لا ثواب فيه ، أي أن من ترك الحرام أو المكروه بلا نية حسنة في هذا الترك فإنه لا يثاب على هذا الترك ونفي الثواب لا يستلزم العقوبة ، بل لا يثاب ولا يعاقب وبيان ذلك أن يقال: قولنا ( لا يعاقب ) لأن العقوبة لا تكون إلى على مقارفة المحظور وهو لم يفعله فعلى أي شيء يعاقب ؟ وقولنا (ولا يثاب ) لأن الترك المجرد عن النية ليس بعبادة ، فإذا أراد العبد أن يثاب على ترك المحظورات والمكروهات فلينو التعبد لله جل وعلا بهذا الترك ، فصارت النية في باب المأمورات شرط للصحة ، وصارت النية في باب التروك شرط للثواب فالنية شرط لصحة المأمورات وشرط لترتب الثواب في المتروكات ويتضح الكلام أكثر إذا ضربنا لك بعض الفروع المقرونة بالأدلة فأقول وبالله التوفيق:-