الصفحة 59 من 141

وضلالة من وجهين ، من حيث اعتقاد المعتقد أن ذلك مشروع مستحق أي يكون فعله خير من تركه ، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يفعله البتة ، فيبقى حقيقة هذا القول أنما فعلناه أكمل وأفضل مما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم . أهـ . كلام أبي العباس رحمه الله تعالى . وأطلت في نقله لأنه جمع بين الشرح والتفريع والتدليل ، ويا لله العجب من الذين يتلفظون بالنية فإنك لو رأيت أحدهم عامدًا إلى المسجد بعد أذان الظهر وسألته أين تريد ؟ لقال: أريد صلاة الظهر ، ثم إذا جاء عند التكبير رأيته يقول: اللهم إني نويت أن أصلي الظهر فرض الوقت بطهارة ، الله أكبر ، مع أنه ما خرج من بيته إلا للصلاة وبعضهم يكرر لفظ النية مرارًا ظنًا منه أنه جاء بها على وجهها الصحيح وبعضهم يتأخر عن تكبيرة الإحرام مع الإمام بسبب هذا التكرير فيحرم نفسه فضل التكبير مع الإمام ، ولو رأيت أحوال المتلفظين بها لوجدت العجب وإنها لخسارة كبيرة أن تفتتح أعظم العبادات البدنية ببدعة ، فالواجب على العبد أن يحذر من ذلك وأن يعلم علم اليقين القاطع الأكيد الذي لا يخالطه شك بوجه من الوجوه أن النية تابعة للعلم متابعة ضرورية فلا ينفك عنها عمل العامل ، فإن كل من أراد فعل شيء فقد نواه ــ هذا لازم لا محيص عنه ــ بل لو كلفنا أحدًا أن يعمل عملًا بلا هذه النية لكلفناه بما لا يطاق بل إن نية إيقاع العمل لا يقتصر علمها عليك فقط ، بل يتعدى علمها إلى غيرك فإن من رآك عامدًا إلى مكة في زمن الحج علم أنك تريد الحج ومن رآك عامدًا إلى المسجد علم أنك تريد الصلاة ، ومن رآك عامدًا إلى مكان عملك علم أنك تريد العمل فيها ، ومن رآك قد أخرجت دراهمًا من جيبك واتجهت إلى الفقير علم جزمًا أنك تريد الصدقة عليه ، ومن رآك تتوضأ بعد الأذان علم جزمًا أنك تريد هذه الصلاة التي قد أذن لها ، وهكذا فإذا كان غيرك يعلم من فعلك الظاهر ما تريده بقلبك فكيف يخفى عليك أنت ما في قلبك

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت