الصفحة 91 من 141

لقد ذكرنا سابقًا أن النية محلها القلب فهي من عمل القلب أي أن النية من أمور السرائر البواطن فإذا كان الأمر كذلك فهي من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى قال تعالى { قل لا يعلم من في السموات والأرض إلا الله } وقال تعالى { عالم الغيب فلا يظهر على غيبة أحدًا } ولم يتعبدنا الله تعالى بكشف بواطن الناس وشق بطونهم وبناءً عليه فيجب أن نقف فيما بيننا على أمور الظاهر فقط ولذلك فالمتقرر عند أهل السنة رحمهم الله تعالى أن لنا الظاهر والله يتولى السرائر نعم إذا أقترن بالنية قرائن توضح قصد صاحبها وتظهر لنا عملنا به وإلا فالأصل عدم التعرض للنيات وإنما الواجب أخذ الناس بما يظهر منهم فقط فمن أظهر لنا الخير عاملناه به ومن أظهر لنا الشر عاملناه به وأما أن نبني أحكامنا على بواطن الناس فهذا لا يجوز فإن النظر في السرائر من خصائصه جل وعلا ولا سلطان لأحدٍ على كشف بواطن الناس فالأحكام في الدنيا مرتبة على الظواهر والله تعالى يتولى السرائر فهذا بالنسبة لأحكام الدنيا فيما بيننا وأما الآخرة فإن محط الابتلاء يكون على السرائر كما قال تعالى { يوم تبلى السرائر } والأدلة على هذه القاعدة كثيرة جدًا ودونك طرفًا منها فأقول:-

…فمن الأدلة:- أن المنقول عنه بالتواتر المفيد للعلم القطعي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعامل المنافقين في عهده بما يظهر منهم مع علمه صلى الله عليه وسلم بهم وببعض أعيانهم ولكنه لم يكن صلى الله عليه وسلم يتعرض لغياتهم أو يعاملهم على مقتضى ما يخفونه في بواطنهم وإنما كان يتعامل معهم بما يظهر منهم فكانوا يشهدون الصلاة معه وكانوا يخرجون لبعض الغزوات معه فلم يكن صلى الله عليه وسلم يمنعهم من شيء من ذلك لأنه كان يأخذهم بالظواهر ولما قفل النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك جاءه المنافقون يعتذرون إليه ويحلفون له أنهم إنما منعهم العذر فكان يقبل منهم ويستغفر لهم والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت