الصفحة 98 من 141

…ومنها: إذا قتل رجل من المجاهدين في أرض المعركة ، فلنا فيه حكمان: حكم في الدنيا وحكم بما يخفى حاله في الآخرة ، فأما الدنيا فإننا نعامله معاملة الشهيد فلا يغسل ولا يكفن بل ينزع ما عليه من سلاح وجلود ويدفن بثيابه الذي قتل فيها ولا يصلى عليه كذلك إلا أن يشاء الإمام الصلاة عليه ، ذلك لأن أحكام الدنيا على الظواهر ، والظاهر من حاله أنه مات شهيدًا فيعامل في الدنيا معاملة الشهيد ، أي معاملة قتيل المعركة ، وأما الحكم على حاله باعتبار الآخرة فإنه مبني على سريرته التي كان يخفيها في باطنه وأمر السريرة إلى الله تعالى وبناءً عليه فلا يجوز الجزم له بأنه شهيد بدون التعليق بالرجاء فيقال: نرجوا أنه من الشهداء ، أو بالمشيئة فيقال: هو شهيد إن شاء الله تعالى ، أو يقال: هو من الشهداء نحسبه والله حسيبه ولا نزكي على الله أحدًا ، ذلك لأن الجزم له بأنه شهيد مفضي إلى الشهادة له بأنه من أهل الجنة وهذا لا يجوز ، فرب قتيل بين الصفين الله أدرى بنيته ، وكم رجل يقاتل حمية وعصبية وليرى مكانه فقط ، لا لإعلاء كلمة الله تعالى ، فإذا جاء الحكم الذي يتعلق بالآخرة توقفنا ولم نجزم بشيء لكن نرجو له الخير والثواب إن شاء الله تعالى ولذلك بوب البخاري في صحيحه بابًا أشار فيه إلى عدم الجزم بأن فلانًا من الشهداء فقال: ( باب لا يقول فلان شهيد ، وقال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( الله أعلم بمن يجاهد في سبيله ، الله أعلم بمن يكلم في سبيله ، وروى تحته حديثًا يفيد صحة ما ذكرناه فقال: حدثنا قتيبة قال حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن عن أبي حازم عن سهل بن سعد الساعدي ــ رضي الله عنه ــ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ــ إلتقى هو والمشركون فاقتتلوا فما مال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عسكره ومال الآخرون إلى عسكرهم ، وفي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل لا يدع لهم شاذة ولا فاذة إلا اتبعها يضربها بسيفه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت