فهرس الكتاب
فالقول بالحتمية ليس - في الحقيقة - دفاعًا عن العولمة أو تمجيدًا لها، بل هو تعبير عن اليأس من أي محاولة للوقوف في وجهها )) [1] .
الموقف الثالث: وهو موقف نقدي رشيد - فيما أحسب -، يتفق أصحابه مع أصحاب الموقف الأول في خطورة العولمة - بوضعها الحالي - على الأمة الإسلامية عقديًا، وثقافيًا، وأخلاقيًا، واجتماعيًا، وسياسيًا، واقتصاديًا، وحضاريًا. لكنهم لا يتفقون معهم في أن مقاومة العولمة تكون بالانعزال عن هذا العالم، بل يرون محاولة تفهم قوانين العولمة، دون التسليم بحتمية القيم التي تجلبها، وكذلك معرفة كيفية مواجهة تحدي المحافظة على الهوية الإسلامية، والثوابت العقدية والثقافية، مع معايشة العصر، دون التنازل عن الثوابت.
(( وهذه العولمة بما أنها طغيان على الأنفس، والأموال، والعقائد، والقيم، فإنها ستعمق لدى المسلمين شعورًا بالظلم، يحفزهم إلى العودة لدينهم؛ لإعلاء منار قيمه السامية، التي تحفظ للإنسان إنسانيته - التي تهدرها العولمة -، وتنصفه من المبادئ والقوانين القهرية الجائرة؛ مما سيزيد من جاذبيته على مستوى الأمة الإسلامية، بل على مستوى العالم. فالعولمة - بناء على هذا الموقف - إن هي إلا رغبات وأهواء، ثم إرادات تسلطية، وضعت بموجبها مواثيق ومعاهدات، واستخدمت لتحقيقها أجهزة ومؤسسات، ومن الممكن تحديها، واستثمار ثغراتها، والتعاون المشترك لمقاومة انحراف سلطتها، وعندها ستنفتح للمجتمعات أبواب نافعة، وربما انقلبت قوى العولمة - وهذا محتمل جدًا - على العولمة نفسها، إذا وجدت أنها لا تخدم أهدافها، كما تخطط وتأمل ) ) [2] .
ولأجل ذلك (( فإن مجرد الشجب والاستنكار لأخطارالعولمة لا يجدي نفعًا، ما لم يستتبع ذلك عمل جاد ودؤوب، تشارك فيه كل قطاعات الأمة ومؤهلاتها العقائدية والتقنية؛ لمواجهة الغزو الثقافي والإعلامي لقوى العولمة، مواجهة تكون مؤسسة على ثوابت الهوية العربية، وسماتها الإيمانية والحضارية الجامعة، ومسلحة بعقلية انفتاحية على كل منجزات الفكر، والعلم، والتكنولوجيا، فلا نرفضها بدواعي الخوف والعداء لكل ما هو أجنبي، ولا نذوب فيها بتأثير عقد النقص تجاه الآخرين. إن السبيل الأسلم للتصدي لدعوات اعتماد الغرب الاستعماري والرأسمالي مرجعية فكرية، والتسليم له بكل ما يصدر
(1) ندوة العرب والعولمة - مقال: العولمة والدولة/ جلال أمين ص167.
(2) العولمة (التغريب المباشر) في مواجهة الصحوة الإسلامية/ عبد الرحمن بن زيد الزنيدي ص45.