فهرس الكتاب
وبغض النظر عن الدوافع التي وراء ذلك - سواء كانت النوايا حسنة، والمقاصد طيبة، أولم تكن كذلك -، إلا أن الأمر في نهايته لا يعدو كونه تغريرًا بالعامة من الناس ولعبًا بعقول السذج والبسطاء.
الفرق بين العولمة والعالمية كالفرق بين الغرب والشرق، وكالفرق بين الإسلام والكفر.
إن (( العولمة شيء، والعالمية شيء آخر. العالمية تفتح على العالم، على الثقافات الأخرى، واحتفاظ بالخلاف الإيديولوجي، أما العولمة فهي نفي للآخر، وإحلال للاختراق الثقافي محل الصراع الإيديولوجي.
العولمة إرادة للهيمنة، وبالتالي قمع وإقصاء للخصوصي. أما العالمية فهي طموح إلى الارتفاع بالخصوصية إلى مستوى عالمي. العولمة احتواء للعالم، والعالمية تفتح على ما هو عالمي وكوني.
نشدان العالمية في المجال الثقافي - كما في غيره من المجالات - طموح مشروع، ورغبة في الأخذ والعطاء، في التعارف والحوار والتلاقح، إنها طريق الأنا للتعامل مع (الآخر) بوصفه أنا ثانية طريقها إلى جعل الإيثار يحل محل الأثرة.
أما العولمة فهي طموح، بل إرادة لاختراق (الآخر) وسلبه خصوصيته، وبالتالي نفيه من العالم. العالمية إغناء للهوية والثقافة، أما العولمة فهي اختراق لها وتمييع )) [1] .
إن عالمية الإسلام لا إكراه فيها، فلا مكان للقسر والإجبار على دخول الدين، وإنما هو دين يتسع لكل من أراد العبودية لله تعالى.
فالإسلام في مشروعيته للجهاد في سبيل الله - على سبيل المثال - إنما يهدف - بالدرجة الأولى - إلى إزالة العوائق التي تحول بين الناس وبين سماع الحق، وليس المقصود إجبارهم قسرًا، ورغمًا عنهم، على الدخول في الإسلام، واعتناق هذا الدين، وفي هذا يقول الله تبارك وتعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [2] .
(1) ندوة العرب والعولمة - مقال: العولمة والهوية الثقافية/ محمد عابد الجابري ص301.
(2) سورة البقرة الآية (256) .