الصفحة 38 من 1195

فلا عجب كذلك ... ، فالجدار القائم على غير أساس ينتظر من يهزه ليسقط إذا لم يتداع من تلقاء نفسه، بينما الجدار القائم على أساس متين لا يتزلزل إلا بالجهد الجهيد [1] .

ثانيًا: أثر الثورة الصناعية:

جاء أصحاب الثورة الصناعية فحرروا المرأة - أي استعبدوها -، وحرروا الرجل - كذلك -؛ لأغراضهم الخاصة. وكانت أغراضهم قدرًا من الشر لا يخطر على بال الإنسان. تحررت المرأة فتحللت من القيود كلها، وفي مقدمتها قيود الدين وقيود الأخلاق. وطالبت بالمساواة الكاملة مع الرجل فرفضت أن يكون قيمًا عليها؛ لأن القوامة لا تصلح بين الأنداد، واشتغلت، فانشغلت عن مهمتها الأولى في تربية النشء .. ، وتفككت الأسرة وانحل البيت وتشرد الأطفال، وتكونت منهم عصابات جانحة ترتكب الجرائم لمجرد سد الفراغ.

وانحلت روابط المجتمع فصار كل إنسان يعيش وحده حتى الأسرة ... الزوج له عمله ومغامراته، والزوجة لها عملها ومغامراتها .. ، والأولاد يغادرون البيت في سن معينة ولا يعودون بعد ذلك، ولا يربطهم بالأب أو الأم رباط، إلا زيارات خاطفة في مناسبات متباعدة في أحسن الأحوال.

ويكبر الأبوان في تلك العزلة الباردة فلا يجدان من يطرق عليهما الباب .. ، فينشدان سلواهما في الكلاب! وانتشر الشذوذ لأسباب كثيرة، من بينها - كما يقولون هم بأفواههم - رفض المرأة للقوامة وضياع سيطرة الأب [2] .

وفي جانب آخر من الأرض قامت فلسفة بشرية مغايرة، وإن كانت تشترك معها في تحطيم كيان الأسرة ... ، وتشترك معها في حل روابط المجتمع ولكنها تختلف عنها في الطريقة.

في الأولى: يتم تحطيم المجتمع عن طريق تضخيم الفرد وجعله هو الأساس الذي تفرد بذاتيته الزائدة عن الحد.

وأما الثانية: فتجعل المجموع هو الأساس لا الفرد، فتسحق الفرد من أجل المجموع، ثم تعود فتحطم المجتمع نتيجة تحويله إلى مجموعة من الأصفار كل منهم بلا مشاعر ولا كيان [3] .

(1) مذاهب فكرية معاصرة/ محمد قطب ص477.

(2) المرجع السابق ص478.

(3) المرجع السابق ص478.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت