فهرس الكتاب
وهذا الاستقلال في المعيشة أجبر المرأة على كسب عيشها بكد يمينها؛ مما أدى إلى استغلالها، إذ صارت تقبل أن تعمل بأي عمل تجده، مهما كان ضئيل المردود، وتقبل بأي عمل مهما كان مجهدًا؛ لأنها مضطرة للحصول على المال لعيشها. فأدى هذا الأمر إلى امتهانها، وإضعاف قوتها الجسمية بسرعة، كما أدى إلى بؤسها وشقائها - وخاصة عندما يصيبها المرض -.
كما أنها أصبحت معرضة للاعتداء الجنسي من قِبَل من تعمل عنده، وهذا أدى إلى امتهانها بصورة أكبر، وكذلك تجد نفسها منزوية منطوية على نفسها بائسة، عندما تعلم أنها تحمل في أحشائها جنينًا، ولذلك فهي إما أن تجهضه ابتداءً [1] ، وإما أن تجد نفسها مضطرة عند ولادته للتخلص منه، بوضعه على قارعة الطريق، أو تسليمه لدور الرعاية؛ حتى لا يفسد عليها حريتها - المزعومة - في حياتها.
كما فقدت المرأة الهدوء في حياتها، والاستقرار في بيت خاص بها. فهي في كل ليلة في بيت صاحب لها، أو طالب لها، أو عشيقها؛ لقضاء شهوته معها، ثم ترجع آخر الليل إلى غرفتها وحيدة خائفة؛ وذلك لأنها لم تلزم نفسها بزوج يحميها ويرعاها، ويؤويها في كنفه، ويشبع غريزتها الجنسية.
وهكذا خسرت الأمان والعطف، والراحة والاستقرار والأنس، بل فقدت السعادة كلها.
كما أنها حرمت من نعمة الأطفال؛ لأنها لم تتزوج كغيرها، فالطفل مهم بالنسبة للمرأة، فهي تفرغ - من خلاله - عاطفة الحنان والحب، فتحنو عليه ويملأ حياتها أنسًا. فإذا كبر وشب حماها ورعاها واعتنى بها، وإذا عجزت عن العمل اعتنى بها هو وزوجته، فتعيش معهما، وفي رعايتهما حتى الموت.
أما إذا لم تتزوج ولم تنجب فتعيش تعيسة، فإذا صارت عجوزًا اضطرت إلى اللجوء إلى مأوى العجزة، بعد أن يشترط عليها مدير المأوى تنازلها عن ممتلكاتها وأموالها، فتبقى فيه إلى أن تنتهي حياتها فيه، دون أن يعلم أحد من أهلها بموتها، ثم تدفن في مكان قد لا يعلم به إلا حارس المدفن.
وهكذا تعيش المرأة في بؤس وشقاء، وتموت في بؤس وجفاء.
(1) سيأتي الحديث - بإذن الله - عن الإجهاض مفصلًا، وذلك في الفصل الثالث من الباب الثاني.