الصفحة 66 من 1195

إن التصور المتطرف للحرية هو الذي حدثت بفعله الثورة الفرنسية، فأخذت تبطل كثيرًا من النظريات الخلقية، وتهدم القواعد المدنية والدينية. ولما تحقق عند أصحاب الثورة أن سقوطها وانهدامها - أي هذه النظريات - هو سبيل الرقي ومبعث الحرية، استنتجوا منه وقرروا أن كل نظرية وكل طريق عملي وصل إليهم من أسلافهم، عقبة معترضة في طريق الرقي والازدهار، ولا يمكن التقدم إلى الأمام بدون إزاحتها عنه.

(( لذلك ما إن فرغ رجال الثورة من إبطال المبادئ الخاطئة للتعاليم الخلقية - المحرفة - المسيحية، حتى أنحوا بمعول انتقادهم على التصورات الأساسية لنظام الأخلاق الإنسانية، يجرحونها ويشككون فيها، ويتساءلون: ما هذا العفاف؟ وما هذا الظلم والتضييق على الشباب الجامح بقيود التقوى؟ وأي نازلة تنزل بالأرض إن أحب المرء حبيبة بدون زواج؟ ثم إذا تزوج المرء فهل يفارقه قلبه، حتى يحرم عليه الحب فيما بعد؟. فمثل هذه الأسئلة أخذت تنشأ وتوجه من كل جانب في المجتمع الانقلابي الجديد ) ) [1] .

وقد أكد هذا الأمر الأدباء المشهورون في كتاباتهم ورواياتهم، فقد جاء في إحدى الروايات الأدبية الفرنسية [2] - تأكيدًا لحرية المرأة في أن ترتمي في حضن من تشاء، بدون رباط النكاح المقدس: (( لم أبدل رأيي، ولم أصالح المجتمع، وإن النكاح في رأيي لأفظع الطرق الاجتماعية، وأكثرها همجية!! وإن كتب للجيل الإنساني أن يتقدم حقًا في طريق العقل والعدل، فليأتين عليه حين من الدهر يلغي النكاح، ويستبدل به طريقة أخرى لا تقل عنه قداسة وطهرًا، ثم تكون أدنى منه إلى التهذب والإنسانية!!. حينئذ سيتألف الجيل الإنساني من رجال ونساء متسامحين، لن يحجر أحد منهم على حرية الآخر. أما الآن فقد بلغ من أثرة الرجال وفسولة النساء ألا يطالب أحد منهم بقانون أكرم،

(1) المرجع نفسه ص52،53.

(2) للأديبة جورج صاند، وهي ليست بمؤدبة - نشأت في مطلع القرن التاسع عشر الميلادي -، فقد خرجت على جميع المبادئ الأخلاقية، إذ اتخذت الأخدان على كونها متزوجة من رجل، حتى آل الأمر بينها وبين زوجها إلى الفرقة. وغدت بعد ذلك تستبدل زوجًا بزوج، ولم تعاشر أحدًا منهم أكثر من عامين، وقد كانت تخادن علنًا أكثر من ستة أشخاص. انظر: الحجاب/ المودودي ص53.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت