وكانت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه موافقة لما ذكره الله سبحانه وتعالى حيث قال: (( وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما ) )"الأنبياء: 78 - 79".
فأخبر سبحانه وتعالى أنه خص أحد النبيين بفهم الحكم في تلك القضية ، وأثنى على كل منهما بما اتاه من العلم والحكم .
فهكذا السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ورضوا عنه ، كانوا فيما تنازعوا فيه مجتهدين طالبين للحق .
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا ، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي ، عضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل بدعة ضلالة ) .
وروى عنه مولاه سفينة أنه قال: ( الخلافة ثلاثون سنة ، ثم تصير ملكا ) .
فكان آخر الثلاثين حين سلم سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم: الحسن بن علي رضي الله عنهما الأمر إلى معاوية .
وكان معاوية أول الملوك ، وفيه ملك ورحمة ، كما روى في الحديث: ( ستكون خلافة نبوة ، ثم يكون ملك ورحمة ، ثم يكون ملك وجبرية ، ثم يكون ملك عضوض ) .
وقد ثبت عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه من وجوه أنه لما قاتل أهل الجمل لم يسب لهم ذرية، ولم يغنم لهم مالا ، ولا أجهز على جريح ، ولا اتبع مدبرا ، ولا قتل أسيرا ، وأنه صلى على قتلى الطائفتين بالجمل وصفين ، وقال: ( إخواننا بغوا علينا ) .
وأخبر أنهم ليسوا بكفار ولا منافقين ، واتبع فيما قاله كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، فإن الله سماهم إخوة وجعلهم مؤمنين في الاقتتال و البغي كما تقدم ذكره في قوله: (( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ) )"الحجرات: 9".