الصفحة 108 من 205

(( أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب ) )

وما زال في المعركة وهو يقول: (( إليّ عباد الله، إليّ عباد الله ) )حتى فاء أصحابه إليه، وعاودوا الكرة على العدو فهزموه في ساعة، وما كانت هزيمتهم أول مرة إلا من ذنب ارتكبه بعضهم وهو قوله: لن نغلب اليوم من قلة؛ إذ هذا القول كان عُجبًا والعُجب حرام، وقد ذكرهم تعالى به في كتابه إذ قال تعالى من سورة التوبة: {ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئًا .. } .

(فزع أهل المدينة ليلة فانطلق ناس قبل الصوت، فتلقاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعًا قد سبقهم إلى الصوت, واستبرأ [1] الخبر على فرس لأبي طلحة عُري والسيف في عنقه وهو يقول:(( لن تراعوا ) ). في هذه يقول أنس بن مالك: كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وأجود الناس وأشجع الناس، وقص هذه القصة، رواه البخاري ومسلم.

كانت تلك شواهد شجاعته القلبيّة، أما شجاعته العقلية، فنكتفى فيها بشاهد واحد، فإنه يكفى عن ألف شاهد ويزيد، وهو موقفه من تعنّت سهيل بن عمرو وهو يملي وثيقة صلح الحديبية، إذ تنازل صلى الله عليه وسلم على كلمة بسم الله إلى باسمك اللهم، وعن كلمة محمد رسول الله إلى كلمة محمد بن عبد الله، وقد استشاط أصحابه غيظًا، وبلغ الغضب حدًّا لا مزيد عليه وهو صابر ثابت حتى انتهت، وكانت بعد أيام فتحًا مبينًا فضرب صلى الله عليه وسلم بذلك المثل الأعلى في الشجاعتين القلبية، والعقلية، مع بعد النظر وأصالة الرأي وإصابته فصلى الله عليه وسلم ما بقي شجاعة أو جبن في العالمين.

الصبْر المحمَّديَ

(1) يقال استبرأ الخبر إذا طلبه حتى وقف على حقيقته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت