الصفحة 109 من 205

إن الصبر وهو حبس النفس على طاعة الله تعالى حتى لا تفارقها، وعن معصية الله تعالى حتى لا تقربها، وعلى قضاء الله تعالى حتى لا تجزع له ولا تسخط عليه، هذا هو الصبر في مواطنه الثلاثة وهو خلق من أشرف الأخلاق وأسماها، وهو خلق مكتسب يحمل العاقل عليه نفسه ويروضها شيئًا فشيئًا حتى يصبح ملكة لها ثابتة عفوًا بدون طلب.

يدل على ذلك أمره تعالى رسوله به في غير موطن من كتابه العزيز وذلك كقوله تعالى: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} , وقوله: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ} , وقوله في أمر كافة المؤمنين به: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} .

وقد صبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وصابر طيلة عهد إبلاغ رسالته الذي دام ثلاثًا وعشرين سنة، فلم يجزع يومًا، ولم يتخلّ عن دعوته وإبلاغ رسالته حتى بلغ بها الآفاق التي شاء الله تعالى أن تبلغها، وباستعراضنا المواقف التالية تتجلى لنا حقيقة الصبر المحمدي الذي هو فيه أسوة كل مؤمن ومؤمنة في معترك هذه الحياة.

-صبره صلى الله عليه وسلم على أذى قريش طيلة ما هو بين ظهرانيها بمكة، فقد ضربوه، والقوا سلى الجزور على ظهره، وحاصروه ثلاث سنوات مع بني هاشم في شعب أبي طالب، وحكموا عليه بالإعدام، وبعثوا رجالهم لتنفيذه فيه إلا أن الله سلّمه، وعصم دمه، كل هذا لم يرده عن دعوته، ولم يثن عزمه عن بيانها وعرضها على القريب والبعيد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت