فهرس الكتاب
إن خشية الله تعالى في السرّ والعلن ثمرة العلم بالله تعالى ربَّا وإلهًا ذا جلال وكمال لا حد لهما تقصر الفهوم دون إدراكهما قال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} . وقال رسوله صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح: (( إني أعلمكم بالله وأشدكم له خشية ) )، فدل هذا على أن الخشية يثمرها العلم الصحيح، العلم بالله ذي الجلال والإكرام، وبأسمائه الحسنى، وصفاته العلا، وبمحابه من العقائد والأقوال والأعمال والصفات والذوات، وبمكارهه من ذلك كله.
ومن أعلم بالله من رسول الله؟ اللهم لا أحد، ولذا فلا أتقى لله من رسول الله في سائر عباد الله، ولا أكثر طاعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أرغب فيما عند الله من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أرهب مما لدى الله من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أشد انقطاعًا وتبتّلا لله من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه الأحاديث والآثار تقرر ذلك وتؤكده.
(1) مظاهر خشيته صلى الله عليه وسلم:
روى الترمذي وقال حسن غريب، عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( إني أرى ما ترون وأسمع ما لا تسمعون، أطت [1] السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدًا لله، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا، ولبكيتم كثيرًا، وما تلذذتم بالنساء على الفرش ولخرجتم إلى الصعدات [2] تجأرون إلى الله تعالى ) )لوددت أني شجرة تعضد [3] ، فهذا الحديث شاهد حق على خشية رسول الله صلى الله عليه وسلم وخوفه من ربّه تعالى، ويؤكد قوله: (( إني لأعلمكم بالله وأشدكم له خشية ) ).
(1) الأطيط: صوت القتب إذا ضغطه ثقل ما عليه من الحمل.
(2) الطرقات.
(3) تقطع: كناية عن تمنيه أن لو لم يكن في هذ الحياة إنسانًا حيًاا وهذا تمني أبي ذر، وليس قول الرسول صلى الله عليه وسلم.