فهرس الكتاب
الذي يقوم على مثل هذه الأسس والمبادئ لابد أن يكون أرقى نموذج للحياة البشرية, وأعلى مثل يمكن أن يبلغه التطور البشري في سعيه الدائب نحو الكمال.
لا شك أن سلامة العقيدة ووضوحها وبعدها عن إغراق الوهم، وجموع الخيال، وتحكم الأهواء, هو الهدف الأكبر الذي يسعى إليه العقل في تفكيره الدائب للوصول إلى الحقيقة.
والعقيدة التي جاء بها الإسلام في قوتها وبساطتها وسلامتها من الشطط والانحراف, وارتكازها على أسسٍ ثابتةٍ من الفطرة الإنسانية العامة, والمنطق العقلي المستقيم, والنصوص الدينية الصريحة, بحيث لا يمكن لعقول كل المفكرين والفلاسفة أن ينقضوا أصلًا واحدًا من أصولها.
فهي عقيدةٌ تقوم أولًا وأساسًا على الإيمان بالله ربًا واحدًا له الربوبية المطلقة على الأشياء كلها, خلقًا وملكًا وتدبيرًا ورعايةً وحفظًا، لا شركة لأحدٍ معه أصلًا، لا في خلق شيء، ولا في تدبير أمر، وأن خلقه للأشياء تم بقدرته وحدها على وفق علمه ومشيئته دون معينٍ أو وسيط، وأن تدبيره لها كذلك يجري وفق قوانين ثابتةٌ وسننٌ مطردةٌ اقتضتها حكمته، فلا يستطيع أحدٌ لها تحويلًا ولا تبديلًا، وأنه خلق الإنسان بيده ونفخ فيه من روحه وجعله سيد هذه الكائنات؛ بما منحه من سلطات العقل وقوة الفكرة وسعة الحيلة, والقدرة على اكتشاف المجهول، وجعل الأشياء كلها مسخرةٌ له وطوع إرادته؛ ليستخدمها فيما يعود على أفراده بالخير, وييسر لهم سبل العيش، ويعرج بهم في مدارج الرقي والكمال.
وتقوم على الإيمان به كذلك إلهًا واحدًا, لا تنبغي الإلهية إلا له, فهو الإله المألوه الذي تألهه القلوب، أي: تعبده محبةً ومخافةً وذلًا، وإنابةً واستكانةً، وخضوعًا وتعظيمًا، ورجاءً وخشيةً، وتوكلًا واستعانةً, ورغبةً ورهبةً, وذكرًا وشكرًا ورِضًا وصبرًا، وسؤالًا ودعاءً وقنوتًا وطاعةً إلى غير ذلك من أنواع العبادة التي يحبها الله ويرضاها، والتي أمر عباده أن يتقربوا إليه بها.