الصفحة 24 من 205

فمحمد هو الذي كثُر حمد الحامدين له مرةً بعد أخرى، أو الذي يستحق أن يحمد مرةً بعد أخرى.

فتسميته صلى الله عليه وسلم بهذا الاسم لما اشتمل عليه من مسماه وهو الحمد، فإنه صلى الله عليه وسلم محمودٌ عند الله ومحمودٌ عند ملائكته، ومحمودٌ عند إخوانه من المرسلين، ومحمودٌ عند أهل الأرض كلهم، وإن كفر به بعضهم فإن ما فيه من صفات الكمال محمودة عند كل عاقل, وإن كابر عقله جحودًا وعنادًا وجهلًا باتصافه بها، ولو علم اتصافه بها لحمده، فإنه يحمد من اتصف بصفات الكمال ويجهل وجودها فيه، فهو في الحقيقة حامدٌ له, وهو صلى الله عليه وسلم اختص من مسمى الحمد لما لا يجتمع لغيره، فإن اسمه محمدٌ وأحمدٌ، وأمته الحمادون يحمدون الله في السراء والضراء، وصلاته وصلاة أمته مفتتحةٌ بالحمد، وخُطبته مفتتحةٌ بالحمد، وكتابه مفتتحٌ بالحمد، هكذا كان عند الله في اللوح المحفوظ، إن خلفاءه وأصحابه يكتبون المصحف مفتتحًا بالحمد، وبيده صلى الله عليه وسلم لواء الحمد يوم القيامة، ولما يسجد بين يدي ربه عز وجل للشفاعة ويؤذن له يحمد ربه بمحامد يفتحها عليه حينئذ، وهو صاحب المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون.

وإذا قام في ذلك المقام حمده حينئذٍ أهل الموقف كلهم مسلمهم وكافرهم, أولهم وآخرهم، وهو محمودٌ صلى الله عليه وسلم بما يملأ به الأرض من الهدى والإيمان والعلم النافع، والعمل الصالح، وفتح به القلوب وكشف به الظلمة عن أهل الأرض، واستنقذهم من أسر الشياطين، ومن الشرك بالله والكفر به والجهل به، حتى نال أتباعه الدنيا والآخرة، فإن رسالته وافت أهل الأرض أحوج ما كانوا إليها، فإنهم كانوا بين عُبَّاد أوثان، وعُبَّاد صلبان, وعُبَّاد نيران, وعبَّاد كواكب, ومغضوبٌ عليهم قد باءوا بغضبٍ من الله، وحيران لا يعرف ربًا يعبده، ولا بماذا يعبده، والناس يأكل بعضهم بعضًا من استحسن شيئًا دعا إليه، وقاتل من خالفه، وليس في الأرض موضع قدمٍ مشرقٌ بنور الرسالة، وقد نظر الله سبحانه إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا على آثار دينٍ صحيح، فأغاث الله به البلاد والعباد وكشف به تلك الظُلَم وأحيا به الخليقة بعد الموت,

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت