فهرس الكتاب
فهدى به من الضلالة وعلم به من الجهالة، وكثر بعد القلة، وأعز به بعد الذلة, وأغنى به بعد العيْلة، وفتح به أعينًا عميًا, وآذانًا صمًا, وقلوبًا غلفًا، فعرف الناس ربهم ومعبودهم غاية مايمكن أن تناله قواهم من المعرفة, وأبدأ وأعاد, واختصر وأطنب في ذكر أسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه، حتى تجلت معرفته سبحانه في قلوب عباده المؤمنين، وانجابت سحائب الشك والريب عنها كما ينجاب السحاب عن القمر ليلة إبداره، ولم يدع لأمته حاجةً في هذا التعريف لا إلى من قبله ولا إلى من بعده, بل كفاهم وشفاهم وأغناهم عن كل من تكلم في هذا الباب.
وعرفهم الطريق الموصل لهم إلى ربهم ورضوانه ودار كرامته، ولم يدع حسنًا إلا أمرهم به, ولا قبيحًا إلا نهى عنه، وعرفهم حالهم بعد القدوم على ربهم أتم تعريف، فكشف الأمر وأوضحه, ولم يدع بابًا من العلم النافع للعباد المقرب لهم إلى ربهم إلا فتحه, ولا مُشْكِلًا إلا بينه وشرحه حتى هدى الله به القلوب من ضلالها, وشفاها به من أسقامها، وأغاثها به من جهلها، فأي بشرٍ أحق بأن يحمد منه صلى الله عليه وسلم؟! وجزاه عن أمته أفضل الجزاء.
ومما يحمد عليه صلى الله عليه وسلم ما جبله الله عليه من مكارم الأخلاق وكرائم الشيم، فإن من نظر في أخلاقه وشيمه صلى الله عليه وسلم علم أنها خير أخلاق، فإنه صلى الله عليه وسلم كان أعلم الخلق وأعظمهم أمانةً وأصدقهم حديثًا، وأجودهم وأسخاهم، وأشدهم احتمالًا، وأعظمهم عفوًا ومغفرةً، وكان لا يزيد شدة الجهل عليه إلا حلمًا.
وأرحم الخلق وأرأفهم بهم, وأعظم الخلق نفعًا لهم في دينهم ودنياهم, وأفصح خلق الله وأحسنهم تعبيرًا عن المعاني الكثيرة؛ بالألفاظ الوجيزة الدالة على المراد، وأصبرهم في مواطن الصبر، وأصدقهم في مواطن اللقاء، وأوفاهم بالعهد والذمة, وأعظمهم مكافأةً على الجميل بأضعافه, وأشدهم تواضعًا، وأعظمهم إيثارًا على نفسه، وأشد الخلق ذبًا عن أصحابه, وحمايةً لهم ودفاعًا عنهم، وأقوم الخلق بما يأمر به, وأتركهم لما ينهي عنه، وأوصل الخلق لرحمه, فلما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مشتملًا على ما