فهرس الكتاب
ثم إنه فاوت بين مقادير الواجب بحسب سعي أرباب الأموال في تحصيلها, وسهولة ذلك, ومشقته.
والرب سبحانه تولى قسم الصدقة بنفسه، وجزأها ثمانية أجزاء، يجمعها صنفان من الناس: أحدهما: من يأخذ لحاجة، فيأخذ بحسب شدة الحاجة، وضعفها وكثرتها، وقلتها، وهم الفقراء والمساكين، وفي الرقاب، وابن السبيل.
والثاني: من يأخذ لمنفعته وهم العاملون عليها, والمؤلفة قلوبهم، والغارمون لإصلاح ذات البين، والغزاة في سبيل الله، فإن لم يكن الآخذ محتاجًا، ولا فيه منفعة للمسلمين فلا سهم له في الزكاة.
وكان من هديه صلى الله عليه وسلم إذا علم من الرجل أنه من أهل الزكاة أعطاه, وإن سأله أحدٌ من أهل الزكاة ولم يعرف حاله أعطاه بعد أن يخبره أنه لا حظ فيها لغنيٍ ولا لقويٍ مكتسب.
هديه صلى الله عليه وسلم في الصيام
لما كان المقصود من الصيام حبس النفس عن الشهوات، وفطامها عن المألوفات، وتعديل قوتها الشهوانية؛ لتستعد لطلب ما فيه غاية سعادتها ونعيمها, وقبول ما تزكو به مما فيه حياتها الأبدية, ويكسر الجوع والظمأ من حدتها وسورتها، ويذكرها بحال الأكباد الجائعة من المساكين, وتضييق مجاري الشيطان من العبد بتضييق مجاري الطعام والشراب, وتحبس قوى الأعضاء عن استرسالها لحكم الطبيعة فيما يضرها في معاشها ومعادها، ويسكن كل عضوٍ منها وكل قوةٍ من جماحه وتُلجم بلجامه، فهو لجام المتقين، وجنة المحاربين, ورياضة الأبرار، وهو لرب العالمين من بين سائر الأعمال، فإن الصائم لا يفعل شيئًا وإنما يترك شهوته وطعامه وشرابه من أجل معبوده، فهو ترك