الصفحة 67 من 205

محبوبات النفس وتلذذاتها إيثارًا لمحبة الله ومرضاته، وهو سرٌ بين العبد وربه لا يطلع عليه سواه، والعباد قد يطلعون منه على ترك المفطرات الظاهرة، وأما كونه ترك طعامه وشرابه وشهوته من أجل معبوده, فهو أمرٌ لا يطلع عليه بشر, وذلك حقيقة الصوم.

وللصوم تأثيرٌ عجيبٌ في حفظ الجوارح الظاهرة والقوى الباطنة، وحميتها عن التخليط الجالب لها المواد الفاسدة التي إذا استولت عليها أفسدتها, واستفراغ المواد الرديئة المانعة لها من صحتها, فالصوم يحفظ على القلب والجوارح صحتها، ويعيد إليها ما استلبته منها أيدي الشهوات، فهو من أكبر العون على التقوى, والمقصود: أن مصالح الصوم لما كانت مشهودةً بالعقول السليمة والفطر المستقيمة, شرعه الله لعباده رحمةً بهم، وإحسانًا إليهم، وحميةً لهم وجُنة.

وكان هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه أكمل الهدي, وأعظم تحصيل للمقصود، وأسهلة على النفوس.

ولما كان فطم النفوس عن مألوفاتها وشهواتها من أشق الأمور وأصعبها؛ تأخر فرضه إلى وسط الإسلام بعد الهجرة لما توطنت النفوس على التوحيد والصلاة,

وألفت أوامر القرآن, فنقلت إليه بالتدريج, وكان فرضه في السنة الثانية من الهجرة، فتُوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد صام تسع رمضانات, وفُرض أولًا على وجه التخيير بينه وبين أن يُطعم عن كل يومٍ مسكينًا، ثم نُقل من ذلك التخيير إلى تحتم الصوم، وجعل الإطعام للشيخ الكبير والمرأة إذا لم يُطيقا الصيام، فإنهما يفطران ويطعمان عن كل يوم مسكينًا، ورخص للمريض والمسافر أن يُفطرا ويقضيا، وللحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما كذلك، فإن خافتا على ولديهما، زادتا مع القضاء إطعام مسكين لكل يوم، فإن فطرهما لم يكن لخوف مرض، وإنما كان مع الصحة فجُبر بإطعام المسكين كفطر الصحيح في أول الإسلام.

وكان للصوم رتبٌ ثلاث: إحداها: إيجابه بوصف التخيير.

والثانية: تحتمه، لكن كان الصائم إذا نام قبل أن يطعم حرم عليه الطعام والشراب إلى الليلة القابلة, فنسخ ذلك بالرتبة الثالثة, وهي التي استقر عليها الشرع إلى يوم القيامة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت