فهرس الكتاب
ثم أقام فصلى العصر ركعتين, فلما فرغ من صلاته ركب حتى أتى الموقف، فوقف في ذيل الجبل عند الصخرات، واستقبل القبلة، وكان على بعيره، فأخذ في الدعاء والتضرع والابتهال إلى غروب الشمس, وكان في دعائه رافعًا يديه إلى صدره كاستطعام المسكين، وأخبرهم أن خير الدعاء دعاء يوم عرفة, وفي عرفة أُنزل عليه قول الله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا} [المائدة: 3] .
فلما غربت الشمس، واستحكم غروبها بحيث ذهبت الصفرة، أفاض من عرفة، وأردف أسامة بن زيد خلفه وأفاض بالسكينة, وكان يلبي في مسيره ذلك لم يقطع التلبية, فلما كان في أثناء الطريق نزل وتوضأ وضوءًا خفيفًا.
ثم سار حتى أتى المزدلفة فتوضأ وضوء الصلاة، ثم أمر بالأذان فأذن المؤذن ثم أقام، فصلى المغرب قبل حط الرحال، وتبريك الجمال، فلما حطوا رحالهم أمر فأقيمت الصلاة، ثم صلى عشاء الآخرة بإقامةٍ بلا أذان، ولم يصل بينهما شيئًا, ثم نام حتى أصبح وأذن في تلك الليلة لضعفة أهله أن يتقدموا إلى منى قبل طلوع الفجر، وكان ذلك عند غيبوبة القمر، وأمرهم أن لا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس.
فلما طلع الفجر، صلاها في أول الوقت بأذان وإقامة يوم النحر، وهو يوم العيد، وهو يوم الحج الأكبر، وهو يوم الأذان ببراءة الله ورسوله من كل مشرك.
ثم ركب حتى أتى موقفه عند المشعر الحرام فاستقبل القبلة وأخذ في الدعاء والتضرع والتكبير والتهليل والذكر حتى أصفر جدًا، وذلك قبل طلوع الشمس, وقف صلى الله عليه وسلم في موقفه، وأعلم الناس أن مزدلفة كلها موقف، ثم سار من مزدلفة مردفًا للفضل بن عباس وهو يلبي في مسيره.
وفي طريقه ذلك أمر ابن عباس أن يلقط له حصى الجمار سبع حصيات, فالتقط له سبع حصيات من حصى الخذف، فجعل ينفضهن في كفه ويقول: (( بأمثال هؤلاء فارموا، وإياكم والغلو في الدين, فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين ) ).