فهرس الكتاب
فلما أتى بطن مُحَسِّر، حَرك ناقته وأسرع السير، وهذه كانت عادته في المواضع التي نزل فيها بأس الله بأعدائه، فإن هنالك أصاب أصحاب الفيل ما قص الله علينا، ولذلك سُمي ذلك الوادي وادي مُحَسِّر؛ لأن الفيل حَسَر فيه، أي: أُعيي وانقطع عن الذهاب إلى مكة، وكذلك فعل في سلوكه الججر ديار ثمود، فإنه تقنَّع بثوبه، وأسرع السير.
ومحسر: برزخٌ بين مِنى وبين مزدلفة, لا من هذه ولا من هذه.
وعرنة: برزخ بين عرفة والمشعر الحرام, وسلك صلى الله عليه وسلم الطريق الوسطى بين الطريقين، وهي التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى منى، فأتى جمرة العقبة، فوقف في أسفل الوادي، وجعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه, واستقبل الجمرة وهو على راحلته, فرماها راكبًا بعد طلوع الشمس، واحدةٌ بعد واحدة, يُكبِّر مع كل حصاة، وحينئذ قطع التلبية, وكان في مسيره ذلك يلبي حتى شرع في الرمي، ورمي الجمرات وبلالٌ وأسامة بن زيدٍ معه.
ثم رجع إلى منى فخطب الناس خطبةً بليغة, أعلمهم فيها بحرمة يوم النحر وتحريمه، وفضله عند الله، وحرمة مكة على جميع البلاد، وأمرهم بالسمع والطاعة لمن قادهم بكتاب الله، وأمر الناس بأخذ مناسكهم عنه, وعلمهم مناسكهم، وأنزل المهاجرين والأنصار منازلهم، وأمر الناس أن لا يرجعوا بعده كفارًا يضرب بعضهم رقاب بعض، وأمر بالتبليغ عنه.
وقال في خطبته تلك: (( اعبدوا ربكم، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم وأطيعوا ذا أمركم، تدخلوا جنة ربكم ) ), وودع حينئذ الناس، فقالوا: حَجَة الوداع.
ثم انصرف إلى المنحر بمنى، فنحر ثلاثًا وستين بدنة بيده.
ونحر صلى الله عليه وسلم بمنحره بمنى، وأعلمهم أن منى كلها منحر، وأن ضجاج مكة طريقٌ ومنحر, فلما أكمل رسول الله صلى الله عليه وسلم نحره، استدعى الحلاق فحلق رأسه, ودعا للمحلقين بالمغفرة ثلاثًا، وللمقصرين مرة، وحلق كثيرٌ من الصحابة بل أكثرهم، وقصر بعضهم. ثم أفاض إلى مكة قبل الظهر راكبًا، فطاف طواف الإفاضة، وهو طواف الزيارة, وهو طواف الصدر, ولم يطف غيره, ولم يسع معه وهذا