فهرس الكتاب
ثالثًا: وأما قوله:"أنهم سكتوا عن ذلك ووسعهم السكوت"هب أنهم سكتوا كما تظن , ولم يُطَبقوا مضمون ما أفتوا به , فظاهر هذا أنه تعارض , وعند التعارض يا يونس يُأخذ بالفتوى العامة في المسألة ولا يُلتفت هل أعمل هذا العالم فتياه على نفسه أم لا , قال الإمام أبو القاسم القيرواني المالكي رحمه الله:
خذ من علومي ولا تنظر إلى عملي *** ينفعك علمي ولا يضركَ إصراري
وإن مررتَ بأشجارٍ لها ثمرٌ *** فأجنِ الثمارَ وخلِ العودَ للنارِ
وقريب من هذه المسألة , مسألة ما إذا خالف العالم الحديث , فلا يعني أنه يرى ضعف الحديث .. قال الدكتور نور الدين عتر: عمل العالم وفتواه على وفق حديث يرويه ليس حكمًا بصحته. كذلك مخالفته للحديث ليست قدحًا في صحته ولا في رواته , لأن عمله على وفق الحديث قد يكون احتياطًا , أو لدليل آخر وافق الخبر . وكذلك عمله على خلافه قد يكون لمانع من معارض قوي أو تأويل . وقد روى مالك عن نافع عن ابن عمر حديث: ( البيعان بالخيار مالم يتفرقا ) , ولم يعمل بظاهره , ولم يكن ذلك قدحًا في نافع راويه [1] . وفي الموطأ سبعون حديثًا ترك مالك رضي الله عنه العمل بها , منها أحاديث في الصحيحين . أهـ [ منهج النقد في علوم الحديث ص 105 ] فإذا أخذنا بمنهج يونس الصباحي سنترك العمل بظاهر حديث ابن عمر , لأن مالك وهو الذي أخرج الحديث في موطئه لم يعمل به , وسنقول كما قال يونس:"أنه ترك العمل بظاهره ووسعه ترك ذلك!!!".
ثم هب أن العلماء الذين قالوا بكفر الحاكم بغير ما أنزل الله لم يكفروا من حكم بغير ما أنزل الله في زمانهم. فإن هذا الخلاف مستساغ؛ فهم قد وافقوا في أصل المسألة ولم يقولوا بقول المرجئة , لكنهم خالفوا في تنزيل هذا الحكم الذي يعتقدونه على بعض الأعيان لبعض الموانع التي رأوها حين ذاك . كمن يقول بكفر من دعا غير الله أو استغاث به , لكنه لم يكفر فلان ابن فلان من الناس لوجود مانع أو تخلف شرط . لكن أنتم خالفتم في أصل المسألة وشتان شتان بينكم وبينهم , ولو أنكم حذوتم حذوا علمائنا وسلفنا فوافقتمونا في الأصل وخالفتمونا في الفرع - وهو تنزيل الحكم - لساغ ذلك لكم , ولطاب لنا أن نناقشكم في الشروط والموانع المعتبرة شرعًا .
(1) الموطأ: 2/79.