الصفحة 37 من 67

ويستمر البرُّ بالوالدين الكافرين حتى بعد مماتهما فعن علي - رضي الله عنه - أنه أتى النبي - - فقال: إن أبا طالب مات. فقال له - - (( اذهب فواره ) ). فقال: إنه مات مشركًا، فقال: (( اذهب فواره ... ) )وفي الحديث أن عليّا - رضي الله عنه - عاد إلى رسول الله - - بعد ما واراه، فدعا له الرسول - - [1] ، وأخذًا من هذا الحديث فإنه يشرع للمسلم أن يتولى دفن قريبه المشرك، وأن ذلك لا ينافي بغضه إياه لشركه، ودفن الولد أبيه المشرك أو أمه المشركة هو آخر ما يملكه الولد من حسن صحبة الوالد المشرك في الدنيا [2] .

ولقد تمثَّل المسلمون تلك التوجيهات وتعدَّدت قصصهم في ذلك فهذا محمد بن المنكدر - رحمة الله - يقول: (بات عمر أخي يصلي وبت أغمز رجل أمي، وما أحب أن ليلتي بليلته) [3] ، فلقد فضّل تغميز قدميّ أمه على قيام الليل، وما ذلك إلا لفقهه رحمه الله.

وأخرج عبد الرزاق في (المصنف) عن طاووس قال: (كان رجل له أربعة بنين فمرض، فقال أحدهم: إما أن تمرضوه، وليس لكم من ميراثه شيء، وإما أن أمرضه وليس لي من ميراثه شيء، قالوا: بل مرّضه وليس لك من ميراثه شيء، فمرّضه حتى مات، ولم يأخذ من ماله شيئًا) [4] . فلقد تنازل عن نصيبه من الميراث حتى يضمن قيامه بآخر حق لوالده عليه.

(1) المسند، ج 1، ص 118، وذكره الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، حديث رقم 161.

(2) سلسلة الأحاديث الصحيحة، الألباني، جزء 1، ص 94.

(3) الدر المنثور، مرجع سابق، جزء 5، ص 268.

(4) الدر المنثور، مرجع سابق، جزء 5، ص 268.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت