فهرس الكتاب
والمرأة التي غفر الله لها كما أخبر بذلك الرسول - - إنما كان بسبب برها بوالديها، ذلك أنه كان لها أم عجوز كبيرة فجاءهم النذير أن العدو يريد أن يغير عليكم الليلة، فارتحلوا ليلحقوا بعظيم قومهم ولم يكن معها ما تحتمل عليه، فعمدت إلى أمها، فجعلت تحملها على ظهرها، فإذا أعيت وضعتها، ثمَّ ألصقت بطنها ببطن أمها، وجعلت رجليها تحت رجلي أمها من الرمضاء حتى نجت فغفر الله لها [1] .
وعلى كل حال فما سبق من الآثار والأحاديث في بر الوالدين يتضح لنا أمرًا جليًا آخر مصاحب للبر وهو أن كل هذه الرعاية التي تقدم للوالدين يمكننا أن نعدها مظهرًا من مظاهر رعاية المسنِّين في المجتمع المسلم، إذ الغالب الأعم أن الوالدين كبيران في السن، فإلى جانب البر الذي أمر الله به للوالدين نجد هناك رعاية للمسن في المجتمع، وهذا النوع من أظهر أنواع رعاية المسنِّين في المجتمع المسلم لوجوده في غالب أُسره.
ولقد دلَّس الشيطان على بعض الأبناء وأوحى إليهم أن الرعاية التي تقدمها الدولة أو الجمعيات الخيرية من خلال دور رعاية المسنِّين أفضل وأشمل من الرعاية التي يقدمها الأبناء، وبخاصة إذا كان الابن فقيرًا، ومن هنا يسوغ له أن يودعهما الدار أو أحدهما برًا بهما وخدمة لهما حسب ظنه .... ، ولقد صدرت الفتوى بعدم جواز التخلِّي عن الوالدين أو أحدهما بحجة أن الخدمة التي تقدمها الدولة لهم من خلال دور رعاية المسنِّين أفضل وأشمل من الخدمة والرعاية التي قد يقدمها لهما الأبناء في المنزل بسبب فقر الأبناء، لأن ولاية الدولة ولاية عامة، وولاية الولد ولاية خاصة، وهذه الولاية الخاصة أوجب وألزم من الولاية العامة [2] .
ثالثًا: رعاية صديق الوالدين بوصفهما مظهرًا من مظاهر رعاية المسنِّين في الإسلام
(1) المصنف، مرجع سابق، جزء 11، ص 133.
(2) مجلة البحوث الفقهية المعاصرة، عدد 10،محرم 1412هـ، الرياض وانظر نص الفتوى في صفحة رقم 159.