إنه مما يؤكد مراعاة المصلحة: جريان العمل في الأوقاف الذي يترجح به المشهور، وليس ذلك في مذهب مالك فقط - كما سنرى - والذي من قواعده اعتماد القول الضعيف إذا جرى به عمل، فيقدم على المشهور كما قال في مراقي السعود:
وقَدم الضعيف إن جرى عمل فيه لأجل سبب قد اتصل
وقال الشيخ المسناوي: وإذا جرى العمل ممن يُقتدى به بمخالفة المشهور لمصلحة وسبب، فالواقع في كلامهم أنه يُعمل بما جرى به العمل ممن يُقتدى به، وإن كان مخالفا للمشهور، وهذا ظاهرٌ إذا تحقق استمرار تلك المصلحة وذلك السبب، وإلا فالواجب الرجوع إلى المشهور. هذا هو الظاهر. (10)
قال السجلماسي - نقلا عن ابن فرحون في تبصرته: وكثيرا ما يوجد في كتب الموثقين في المسألة ذات الأقوال: الذي جرى به العمل كذا، ونصوص المتأخرين متواطئة على أن ذلك مما يرجح به القول المعمول به. (انتهى باختصار شديد) .
والمراد بالعمل: القولُ حَكَم الأئمة به، واستمرار حكمهم.
قال الشيخ مصطفى - في آخر باب القضاء من حاشيته - نحو قول الأجهوري في آخر باب الفلس: إن المراد بما جرى به القضاء ما عَمل به القضاة وحكموا به، فهو في جملة ما به العمل.
ومن المهم أن نعرف لماذا عدل العلماء عن المشهور والراجح إلى القول الضعيف؟ والجواب - كما يقول السجلماسي في شرحه: أن أصل العمل بالشاذ، وترك المشهور: الاستناد لاختيارات شيوخ المذهب المتأخرين لبعض الروايات والأقوال، لموجب ذلك كما بسطه ابن الناظم في شرح تحفة والده، ومن الموجبات تبدل العرف أو عروض جلب المصلحة أو درء المفسدة، فيرتبط العمل بالموجب وجودا وعدما، ولأجل ذلك يختلف باختلاف البلدان، ويتبدل في البلد الواحد بتبدل الأزمان . (11)
ولم يَضبط مفهوم جريان العمل الذي يرجح الضعيف غير المالكية؛ لأنه من أصول المتأخرين اعتبارا بأصل إمامهم في القول بعمل أهل المدينة.
فمما سلف ندرك أن العمل يجري لعرف أو ضرورة أو مصلحة أو ترجيح، وللعمل شروط لإجرائه.