الصفحة 4 من 26

ولكن هذا لا يعني كون التعبديات عَرِية عن المصالح؛ فإن الشريعة كلها مبنية على جلب المصالح ودرء المفاسد، لكن منها ما ظهرت حكمته للعقول فسمي بمعقول المعنى، ومنها ما خفيت -مع الجزم بوجود حكمة ومصلحة- وهو التعبدي. هذا ما ذكره خليل في توضيحه دون تجويز تجردها عن المصالح الذي أشار له ابن عبد السلام.

وقال الشاطبي وهو يتحدث عما سماه بـ"قصد الشارع في وضع الشريعة ابتداء":"إن وضع الشريعة إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل معا، وهذه دعوى لا بد من إقامة البرهان عليها صحة أو فسادا، وليس هذا موضعَ ذلك، وقد وقع الخلاف فيها في علم الكلام، وزعم الرازي أن أحكام الله ليست بعلة البتة، كما أن أفعاله كذلك، وأن المعتزلة اتفقت على أن أحكامه تعالى معللة برعاية مصالح العباد، وأنه اختيار أكثر الفقهاء المتأخرين، ولما اضطر (الرازي) في علم الأصول إلى إثبات العلل للأحكام الشرعية: أثبت ذلك على أنه يعلل (وتكون العلل بمعنى العلامات، وذلك للأحكام خاصة) ولا حاجة إلى تحقيق الأمر في هذه المسألة."

والمعتمد أنا استقرينا في الشريعة أنها وُضعت لمصالح العباد استقراء لا ينازع فيه الرازي ولا غيره؛

* فإن الله تعالى يقول في بعثه للرسل - وهو الأصل: (رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) ، (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) ، وقال في أصل الخلقة: (وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا) ، )وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)، (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا) .

* وأما التعليل لتفاصيل الأحكام في الكتاب والسُنة فأكثر من أن تُحصى؛ كقوله تعالى في آية الوضوء: (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهرَكم وليتم نعمته عليكم) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت