ينبغي أن نؤكد بادئ ذي بداءة أن الوقف ليس من التعبديات التي لا يعقل معناها، بل هو من معقول المعنى، ومما أسماه ابن رشد بالمصلحي، وقد مر في كلام العز بن عبد السلام تصنيفه في معقولات المعنى، فهو من نوع الصدقات والصلات والهبات؛ ففيه ما فيها من سد الخلات. وقد أكد القرافي ذلك المعنى حيث قال:"ولا يصحح الشرع من الصدقات إلا المشتمل على المصالح الخالصة والراجحة". (2)
وقال أيضا:"إن الشرع لا يعتبر من المقاصد إلا ما تعلق به غرض صحيح محصل لمصلحة أو دارئ لمفسدة، لذلك لا يسمع الحاكم الدعوى في الأشياء التافهة التي لا يتشاح العقلاء فيها عادة".
فالوقف يجمع بين الهبة والصدقة، فهو قد يكون هبة وصلة رحم بحسب نية الواقف والعلاقة بالموقوف عليهم، وقد يكون صدقة لوجهه تعالى مجردة عن كل غرض، وهو في حالتيه يخدم المستقبل ويدخر للأجيال المقبلة، وقد ترتبت عليه مصالح واضحة للعيان:
* بالنسبة للأفراد الذين قد تسطو عليهم عادية الزمان وتقسو عليهم صروف الدهر فيعجزون عن العمل أو تنضب عليهم الموارد فيجدون في الوقف غيثا مدرارا ومعينا فياضا يحيي مواتهم وينعش دماءهم، وينقع غلتهم، ويبرئ علتهم.
* وكذلك أيضا بالنسبة للأمة التي تجد في الوقف مرفقا اجتماعيا واقتصاديا لمساعدة الفقراء والمعوزين ومعالجة المرضى في المستشفيات الخيرية وتسهيل التنقل بالقناطر وحفر الآبار واتخاذ الصهاريج والحراميز والمصانع على الطرقات ذات المسافات البعيدة.
وتجد مؤسسة دينية وثقافية تشيد بيوت الله للمصلين وترفع صروح المدارس والجامعات للعلماء والطلاب والدارسين يأتيهم رزقهم بكرة وعشيا بلا مَن ولا أذى ليتفرغوا للعلم والبحث ونشر المعرفة.
والوقف خير معين على الجهاد وحماية الثغور ببناء الربط والمراكز في مناطق التماس مع العدو وتقديم الدعم للمجاهدين فيما وقف في سبيل الله فيصرف منه أرزاقهم ويشترى به الكراع والسلاح.
من أمثلة الوقف في التاريخ الإسلامي