الصفحة 56 من 90

البر من آمن بالله واليوم الآخر) [1] . وقوله تعالى: (ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر) [2] . ومن مظاهر اهتمام القرآن به كذلك إكثار ذكره وكثرة ما سماه الله تعالى من الأسماء، التي يدل كل واحد منها على ما سيقع فيه من الأهوال.

وأما الحكمة من اهتمام القرآن باليوم الآخر: أن الإيمان باليوم الآخر له أثر عظيم في حياة الإنسان، وأثره ظاهر في توجيه الإنسان وانضباطه والتزامه بالعمل الصالح. وشتان بين إنسان يؤمن بيوم يحاكم فيه الإنسان على أفعاله وأقواله أمام الله الذي لا يغيب عنه مثقال ذرة، فيثاب على الخير، ويعاقب على الشر. وبين إنسان لا يؤمن ببعث ولا حساب على أعماله وأقواله أمام الله، ولا يقيده غير هواه ومنفعته الشخصية وغريزته، فهذا منفلت من أي ضابط سوى الهوى والشهوة، فيقدم على أي عمل وأي خلق مهما كان ضرره. بينما تجد الأول منضبطا في حدود الحق والصلاح والخير، وهي الأمور التي لها وزن واعتبار في ذلك اليوم. قال تعالى: (والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون * ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون) [3] . ويشير إلى هذه الحكمة أسلوب القرآن في الربط بين الإيمان باليوم الآخر والعمل الصالح في كثير من الأحيان، ومن قوله تعالى: (أرأيت الذي يكذب بالدين *فذلك الذي يدع اليتيم * ولا يحض على طعام المسكين * [4] .

ولعل من حكمة الاهتمام البالغ بالتذكير باليوم الآخر، كثرة نسيان العباد له وغفلتهم عنه، بسبب حبهم للدنيا وركونهم إليها، فيكون الإيمان به محركا لهم من غفلتهم، ومبينا لهم قيمة الدنيا وحقيقتها وأنها دار ممر لا دار مقر، فيؤثروا الباقي على الفاني، لأنه كما قال الفضيل بن عياض عليه رحمة الله"إذا كانت الدنيا ذهب يفنى، والآخرة خزف يبقى، فالعاقل يؤثر الذي يبقى على الذي يفنى، فكيف والدنيا خزف يفنى والآخرة ذهب يبقى؟!."

(1) البقرة 177.

(2) البقرة 232.

(3) الأعراف 8 - 9.

(4) سورة الماعون 1 - 3.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت